الصورة البليغة العالية من التوكيد ..
فماذا بالله نقول لهؤلاء المخرفين الذين يتركون كلام الله لقول زنديق؟ وفي سورة الأنبياء ينكر الكافرون النبوة بقول: {هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء: 3] ، وتفيد الآية الكريمة أيضًا معنى القصر هنا بتوكيده ويقينه. ويقول في آية أخرى في سورة الإسراء {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93] ، وفي الآية أيضًا معنى القصر بروعته وتأكيده لمعنى البشرية بكل خصائصها في الرسول الكريم ?.
هذه الآيات القاطعة الدلالة تؤكد لنا بشرية عبد الله ورسوله محمد ? وأنه في البشرية ككل البشر خلقًا وحملًا وولادة، وحياة وموتًا، لا يمتاز عليهم إلا بصفة أخرى ليست لها صلة مطلقًا إلا باختيار الله ورحمته وحكمته وهي الرسالة. أفبعد هذا يصح لمن عنده أثارة من عقل أن يزعم أن محمدًا ? غير بشر؟ أو أنه جزء من الذات الإلهية بانبثاقه نورًا منها أو أنه هو أول تعين لها؟ قال القرآن إنه بشر مثلنا، ويقول هذا المتعالم وأضرابه من زنادقة الصوفية: إنه ليس بشرًا مثلنا بل هو نوع آخر أو أنه هو الله كما يصرحون به في كتبهم. فمن نصدق يا قوم؟ آمنا بالله وكتابه وعبده ورسوله محمد ?. وكفرنا بالصوفية وعقائدها القذرة وإن زعمت زورًا وبهتانًا أنها متصلة بالإسلام. فما هي متصلة به إلا كاتصال الدمل، أو السرطان بالجسم لإفساده، نسأل الله السلامة والعافية.
أما وقد ثبت بالأدلة القرآنية القطعية في دلالتها بشرية الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه. فنحب أن نذكر هنا ما قرره القرآن عن المادة التي خلق منها البشر جميعًا، أو التي خلق منها الرسول بصفة كونه من هؤلاء البشر. وسنذكر أكثر الآيات التي تعرضت لتقرير هذه الحقيقة البينة وإن كان في ذكرها تطويل للموضوع حتى تصدع الآيات هذه الأدمغة الجامدة بمعول الحق لعلها تفيق من جاهليتها. يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54] ، ويقول: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] ، ويقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج: 5] ، ويقول: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ