البشر لم يجر في خاطر مسلم، ولا على لسان مسلم، كأولئك الذين ينسبون إليه أنه يعلم الغيب، أو يغفر الذنب، أو يشفع لمن يشاء، أو أنه من نور، أو أنه كان قبل أن يكون كل شيء، أو أنه أصل الوجود، أو أنه حي في قبره يعلم بما تعمل أمته.
أولئك الذين ينسبون إليه هذا لا ينتسبون إلى الإسلام بقول أو عقيدة، فما بالك بمن ينسبون إليه صراحة أنه هو الله سبحانه في كل شيء؟.
ولقد غلا الصوفية في كفرهم هذا غلوًا مقيتًا لا يمكن للعقل مهما انحط في تصوره أن يهب له نفحة من تصديق أو احترام، وقد يجوز له أن أقول: ولا لمحة من تصور.
فالله سبحانه يقول: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} . وتدبر المثلية [1] بكل وعي وإيمان، لتؤمن عن يقين بما يحب الله أن تؤمن به. وتدبر البشرية التي وردت دون كلمة"إنسان"مثلًا أو آدمي مثلًا، لنزداد يقينًا بأنَّ أصل محمد ? هو أصلنا، وأن ما خلق منه به هو عين ما خلقنا منه وبه، فالبشرية، هي الطور الأول للإنسان، وبها باشر حياته على الأرض، إنها هي الإنسان قبل أن يعلم شيئًا من بيئته، إنها هي الإنسان بصبغة الله وفطرته قبل أن يصبغ بشيء آخر. تدبر قوله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ} [الروم: 20] ، وقوله سبحانه في قصة إبليس: {قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 33] ، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54] ، {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص: 71] ، كل هذا يبين لنا الحكمة في اختيار كلمة بشر بدلًا من كلمة إنسان أو آدمي، ليزداد إيماننا بأن مقومات بشرية الرسول ? مثل مقومات بشر يتنافى كل شيء.
هذا هدى الله سبحانه.
(1) كتبت في كتابي البهائية ما يأتي:"تأمل كيف جاء في الآية الكريمة بشر مثلكم بدلًا من بشر مثلي أو بشر فحسب، فكلمة مثلكم هذه تكفي في الهداية إلى الحقيقة التي يتعامى عن رؤيتها الملحدون الحلوليون لأنها تهدينا إلى أن بشريتنا هذه التي نمارس غرائزها وعواطفها وميولها هي عين بشرية محمد صلى الله عليه وسلم. بل تهدينا إلى أن نجعلها لنا مقياسًا نقيس به بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم الأعظم حتى نعرف هذه البشرية الطهور معرفة لا يخدعها ظن. ولو لم تذكر مثلكم هذه لعبث بنا وهم يصور لنا أن بشريته قد تكون من نوع آخر لم نمارس نحن فطرته. ثم تدبر الحصر الدقيق المحكم في قوله سبحانه: {إنما أنا بشر مثلكم} إلخ."