وتدبر ما قصه الله عن قول إبراهيم لأبيه وقومه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 48 - 49] ، تدبر في الأحقاف {وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} وفي ختام الآية: {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} ثم تدبر كيف تكرر ذكر الدعاء في قول إبراهيم: ثم كيف جاء الإخبار من الله عنه بقوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ} لتزداد يقينًا بأن القرآن يسوي بين مفهوم الدعاء ومفهوم العبادة، ولنؤمن بأن من دعا غير الله فيما هو من قدرة الله سبحانه، فقد عبده من دون الله. وكذلك من قصد بأي نوع من أنواع العبادة وجوه الخلق لا وجه الخلاق، وسنجد في القرآن آيات كثيرات تحكم بشرك من يحكم في دين الله بغير ما أنزل الله، وبشرك من يسند إلى مخلوق أنه يعرف الغيب، وبشرك من يلحد في أسمائه وصفاته، ويحرف فيها الكلم عن مواضعه، وبشرك من يسند إلى شخص بعينه سواء أكان رسولًا أم ملكًا أنه سيشفع فيه يوم القيامة، وبشرك من يطيع غير الله فيما حرم الله، وبشرك من يلوذ بالجن، أو يستعين بهم.
أولًا: الضلال البعيد: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] .
ثانيًا: افتراء الإثم: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] .
ثالثًا: الكبر المقيت: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 12] .
رابعًا: جحود الحق: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ، {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .
خامسًا: الاشمئزاز من ذكر الله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [1] بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] .
سادسًا: ليس له عهد: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ
(1) هذه سمة واضحة تستطيع بها أن تفصل بين المشرك وغيه. ولو أنك قلت لإنسان يدعو البدوي مثلًا: ادع الله وحده يا رجل، فربما شتمك وسفهك وترى على وجهه قتامة وجهامة ونكرًا ولو قال له مشرك: استمر على دعاء البدوي يا رجل فإنه"شيال الحمول"لرأيت على وجهه توثب البشر والسرور!!.