فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 64

بعبد البهاء، وبعض الحمقى يدعونها اليوم، وهم ينزعون إما في هوس ومس من الخبال، أو عن كيد دنيء للإسلام.

حكم بعض الظاهرية بنبوة مريم وأم موسى. والحق الذي يهدي إليه القرآن. أن وحي النبوة والرسالة ما كان إلا للرجال فقط. تدبر هذه الآيات: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] ، {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] .

وحينما قال المشركون -كما قص الله في سورة الأنعام-: {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: 8] ، كان مما قاله الله سبحانه: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] ، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن النبوة في الرجال فقط. ومن يقل بغير هذا يفتر على الله بهتانًا أثيمًا.

وتدبر هذه الآيات المحكمات {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ [1] وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [2] [النساء: 163 - 165] .

(1) هذه وسواها تدل على أن النبوة بدأت بنوح عليه السلام، وعلى أنه كان بين نوح وإبراهيم أنبياء، وعلى أن هؤلاء الأنبياء كانوا من ذرية نوح.

(2) تدل هذه الآية -كما هو مبين- على أن كل رسول نبي، وأن كل نبي رسول، وأقصد بالرسول من أوحي إليه بدين، لا المعنى اللغوي فحسب. وتدبر أيضًا قوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ} [الأعراف: 94] ، وقوله تعالى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ} [الزخرف: 6] ، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد: 26] . وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] ، {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} [الأعراف: 157] ، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} [الأعراف: 158] ، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 51] .

ووصف إسماعيل: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 54] ، كما يقال أيضًا على كل نبي أنه رسول، تدبر {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] ، وعن عيسى: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30] .

وهكذا نستطيع أن نتبين من آيات القرآن أن كل رسول نبي، وكل نبي رسول لا كما تحفظ أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا!!

غير أنا نجد في كتاب الله سبحانه هذه الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} [الحج: 52] . وفي هذا ما يشعر بأن بينها فرقًا فما الفرق؟ جاء في تفسير الجلالين لتلك الآية أن الرسول من أمر بالتبليغ، وأن النبي هو الذي لم يؤمر بالتبليغ، وأكثرنا يردد قول تفسير الجلالين، وهو خطأ، لأن آيات القرآن تحكم بخطأ هذه التفرقة. فكثير من آيات القرآن تدل على أن النبي مأمور بالتبليغ أيضًا، أما البيضاوي، ففرق بينهما تفرقة أدق، إذ قال في تفسير تلك الآية:"الرسول من بعثه الله بشريعة محددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق. فأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام .. وقيل: الرسول من جمع إلى المعجزة كتابًا منزلًا عليه، والنبي غير الرسول، وهو من لا كتاب له. وقيل: الرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبي يقال له، ولمن يوحى إليه في المنام". والرأي الأول هو الذي أستطيع استنباطه من القرآن. فالله يقول عن أنبياء بني إسرائيل أنهم كانوا يحكمون بالتوراة إذن لم يكن لهم كتاب جديد. فالنبي إذن هو من أرسل بكتاب نبي سابق. أما الرسول فنبي أعطي كتابًا جديدًا. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت