فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 64

بينت في الحديث السالف [1] أن بشرية الرسل كانت مناط جحود الكافرين من كل أمة كما بين القرآن، فمنهم من كفر برسالة الرسول لأنه بشر ومنهم من نسب الربوبية والألوهية إلى هؤلاء الرسل، إذا ما تصور هذا الفريق أن الله يمكن أن يكلم البشر!!

وقد تبين لنا مما ذكرنا به من آيات الله سبحانه أن ذلك الكفر يحموم من كفر إبليس، وامتداد له، وأنه كان دين الكافرين من قوم نوح وغيره من الرسل حتى قوم محمد ?.

ولقد لجّ الكافرون في العناد، وأوغلوا في الجحود رغم الدلائل المسفرة المشرقة على صدق النبي ?، ومنها حياته بينهم بخلقه الرضي السني من صدق يستعصي على غواية الكذب، وأمانة يئس منها إغراء الخيانة، وقد كانت تنبثق منه هذه الأنوار الخلقية وهو في سن تغازله الفتنة الجموح، وتعربد من حولها المجانة المسرفة في التهتك من كل قبيل، ورغم هذه السن، ورغم ما تموج به من سرف في كل معصية وخطيئة وكفر ينحط بكرامة الإنسان ويدمغه بالعمه والخبال -رغم ذلك كله ظلت نقاوة خلقه الرفيع في صفاء فجر الربيع المزهر، ظلت أخلاقه الشريفة تشرق، وتتألق، وتتلألأ بأصالتها وقداستها وسموها ونبلها، فما انحدر إلى ما انحدر إليه أترابه، ولم تلوثه البيئة بما كان فيها من نتن وخبث. هذا الدليل الملموس المحس - دليل حياته النقية التي لم تلوث بكذب ولا خيانة لم يجد سبيلًا إلى قلوب هؤلاء الحاقدين الجاحدين، فظلوا على غيهم يكفرون بمشرق الأرض المتألق. رغم أن الله ذكرهم بهذا الدليل في قوله سبحانه: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] ، ولكنهم أصروا، وظلوا يقولون لمحمد ? كما قص الله في سورة الإسراء: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [2] * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ

(1) مجلة الهدي النبوي، عدد 2، سنة 1385 هـ.

(2) هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغهم عن ربه أنه جل شأنه سيأتيهم هو وملائكته يوم القيامة كما جاء في قوله سبحانه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، وكما جاء في الآية الكريمة: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} ، فالجاحدون بإتيان الله والذين يؤولونه بأنه إتيان أمره أو آياته، إنما ينزعون عن كفر هؤلاء الجاحدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت