أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [1] [الإسراء: 90 - 94] ، ويقول الله سبحانه في سورة الأنعام: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ [2] * وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 7 - 9] ، ثم تدبر قول الله سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] .
ولقد أوغل المشركون في عماية الضلالة، وجهالة الكفر وعتو جحوده، فزعموا أن القرآن لا يصلح أن يكون آية تدل على صدق الرسول ? ولهذا طلبوا آيات غيره. {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} .
إنهم عبيد الحس، ملتصقون بالتراب، لا ترقى أرواحهم في معارج النور إلى السماء. ولهذا طلبوا آيات يشهد لها الحس لا العقل. وقد رد الله سبحانه عليهم بقوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] .
كذلك قال سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ [3] لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ
(1) وقارن بين ما طلب الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم وتدبر معه قول الله: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا} ، مما يقطع بأن ما طلبوه منه ليس في مقدور البشر الإتيان به. قارن بين هذا وبين ما ينسبه الصوفية من كرامات - أو قل: ربوبيات- إلى طواغيتهم فقد نسبوا أكثر من هذا الذي طلبه المشركون إلى أوليائهم، وأقسموا أنه من قدراتهم، وتحت مشيئاتهم، وأمرهم!! وليتدبر المصروفون عن الحق بما ورثوا من أساطير.
(2) تدبر ما قصه الله من قولهم {لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه} ، تعلم أنهم كانوا يكفرون حتى بما يقع تحت حس البصر واللمس. أي بما هو واقع لا مجال للشك في وقوعه.
(3) يجب علينا أن نسمي ما آتاه الله لأنبيائه باسمه الذي سماه الله به فللاسم دلالة صادقة على المسمى هنا. ولقد سمى الله ما نسميه نحن معجزات باسم آيات. فلنقل إن الله أعطى أنبياءه آيات لا معجزات. ففي كلمة «آية» دلالة رفيعة سامية ليست في كلمة «معجزة» ثم هي تقضي على كل تلك الخلافات الحادة التي نشبت بين علماء الكلام حول الفرق بين ما سموه: المعجزة والكرامة والسحر. ولقد ورثنا كلمات انصرفت بنا عن الحق المبين والسبيل السوي ونحن لا ندري، أو ندري، ولكن نجحد ونعاند، كوصف الله سبحانه بالقدم وغيرها من الصفات التي لم يرد في كتاب إلهي، ولا سنة رسوله الكريم لله. وقد يقول قائل: وهل ثمت فارق بين كلمة آية وكلمة معجزة؟ وهل من الإثم أن نسمي بأسماء من عندنا لما سماه الله من عنده؟ ويقول الحق: نعم. والله يهدينا سواء السبيل.