كما يقرون هم. وآدم من طين. وهم يقرون أيضًا بأن عبد الله تزوج بآمنة فأولدها محمدًا ? بعد تسعة أشهر كان فيها نطفة ثم علقة فمضغة. ثم كسي عظامًا ثم كسيت العظام لحمًا ثم أنشأه الله خلقًا آخر. بشرًا سويًا - هذه حقائق يقرون بها. فأين آية النور الذي منه خلق محمد ? كما يهرفون؟ ويقول: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص: 71] ، ومحمد ? بشر من نسل بشر. ويقول: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} [الصافات: 11] ، ويقول: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: 61] .
وهؤلاء الناس يتلمسون المعذرة لإبليس. لهذا جردوا الرسول ? من بشريته، تفاديًا لحجة إبليس الصادقة عندهم. فكأنهم يقولون له: يا إبليس، بيدك الحق إذ لم تسجد لآدم، إذ هو من طين وأنت من نار والنار أشرف من الطين. ولكن هذا رسولنا ليس من نسل آدم بل هو من نور فنحن لا نعيب رأيك ولا كفرك، وإنما نتلمس لك العذر في جحودك وكفرك.
ويقول تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] ، ويقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 28] .
بعد هذا نقول: ثبت من هذه الآيات أن المادة الأولى التي خلق الله منها البشر هي الماء ثم مزج التراب بالماء، فكانت الطينة التي منها خلق آدم. ثم مكث الطين حتى صار صلصالًا، أي طينًا يابسًا، وقطعت الآيات أيضًا أن سلالة آدم كلها من لدن خلقه إلى يوم يبعثون، يخلقون من نطفة .. وقد قطعت الآيات السابقة أن محمدًا ? بشر مثلنا، وأنه من سلالة آدم. فثبت إذًا أن محمدًا ? خلق من نطفة خلقًا مباشرًا، أو من طين إذا نظرنا إلى الخلق الأول.
ونضعها هكذا في صورة قياس منطقي: محمد ? بشر. وكل بشر خلق من طين، إذًا محمد خلق من طين. دليل القضية الأولى، وهي قولنا: محمد بشر. قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110] ، والآيات التي معها ودليل القضية الثانية قوله تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص: 71] ، والآيات التي معها.
أو نضعها في صورة قياس منطقي آخر هكذا: محمد ? بشر. وكل بشر خلق من نطفة، إذًا محمد ? خلق من نطفة، والأدلة على ذلك هي الأدلة على القياس الذي قبله، مع إضافة الآيات الكريمة التي تقطع بأن كل إنسان خلق من نطفة.