وجليلة من هذه الصفات وعن تلك الأشياء، غير أنهم يضمون إلى صفاته هذه صفات لم يأت بها إلا عفن في الفكر، وخيال مخبول يجمح بصاحبه إلى الهذيان المثير للضحك الساخر. كزعمهم أنه كان يمشي، فلا يكون له ظل، أو أنه كان لا يبول، ولا يدخل الخلاء أو غير ذلك مما أفكوا من مفتريات.
ثم إن هذه الجماعة نفسها لا تعرف شيئًا عما أوحي إليه ?، ولا عما كان يفعل بعد البعثة ولهذا تهمل هذه الفترة من حياته ? إهمالًا يوحي بأنهم يكرهونها، وبالكره ينشأ هذا القلي والبغض لحياة المبعوث رحمة للعالمين.
كما تجد من خصائص هذه الجماعة تقديس قبره حتى لقد زعموا أن الموضع الذي دفن فيه الجسد الشريف -هكذا يعبرون- أفضل من عرش الله. ويقاتلون عن ضريحه وأستاره وأحجاره وزخارف قبته، ويبكون ويلطمون ويثيرونها مناحات وسفاهات إن رأوا للقبر سترًا ممزقًا أو في المقصورة صدأ السنين!!.
هؤلاء الذين يقاتلون عن القبر، وعن الأستار لا تراهم لحظة يقاتلون عن سنة نبوية مطهرة، ولا عن شعيرة من شعائر الوحي المقدس!!.
قد تعوي ألسنة جهنم في بطونهم من الربا والسحت، وقد ترى على مشافرهم دماء الضحايا الأبرياء، وقد يزكم الليل من أفواههم نجس الخمر، ورغم هذا تقذف أشداقهم الوقح من السباب لمن يحول بينهم وبين تقبيل أستار القبر!!.
وبالسجود للقبر يزعمون أنهم للرسول محبون، وبتمجيد أستاره وأحجاره يزعمون أنهم مؤمنون، ولئن سألتهم عن اعتقاده وصلاته وصيامه وزكاته وحجه، وغير هذا مما أوحاه الله إليه، وعلم إياه فلن تجد واحدًا منهم من هذا على شيء!! لأنه يمقتون الرسالة والرسول، ويمجدون القبر والجسد المقبور في ضراوة عصبية لا تحب نفحة سلام ولا لمحة نور من هداية.
ولقد كنت أظن أن"المناوية" [1] لم تأخذ إلا بتلابيب الصوفية غير أني قرأت ما بدد هذا الظن، قرأت في كتاب ألفه شيخ كبير تنتسب إليه جماعة كبيرة تؤكد أنها شرعية تعمل بالكتاب والسنة. واسم الكتاب"المقامات العلية"وفزعت وأنا أقرأ، فما يضر الحقيقة شيء كما يضرها من يؤكد أنه يذود عنها، وهو يختلها ويطعنها! ولا ينال من السنة شيء كما ينال منها من يحارب نوعًا من البدعة، ثم هو يفتري بدعًا، ويساند أخرى!!، ويبدو لي أن الشيخ الكبير أراد أن يضع قصة للمولد تحل محل قصة"المناوي"ولهذا ألفه على نسقه
(1) نسبة إلى المناوي صاحب المولد الوثني المعروف الذي زعم فيه"لولاه ما كان ملك الله منتظمًا".