فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 64

يؤكد مرة أخرى أن النبي الذي بلغها إنما هو عبد من عباد الإله الواحد، فليست له صفة من ألوهية، أو سمة ما من الربوبية المطلقة.

{فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، بهذا بيَّن الله السبيل إلى تحقيق ما ينشده القلب المؤمن، وما تهفو إليه النفس المسلمة، وهو لقاء الله، أو إلى التعبير العملي عن إيماننا بالحقيقة وعن صدقنا في الاعتقاد.

إنه العمل الصالح، والبعد عن الشرك، ولا يوصف العمل بأنه صالح إلا إذا كان جامعًا لوصفين، هما: أن يكون صوابًا، وأن يكون خالصًا، وصواب العمل لا يتحقق إلا حين يكون موافقًا لأصوله التي بين الله سبحانه، وإذا كان الصلح هو إزالة النفار بين الناس، فكذلك العمل الصالح فيه يتحقق إزالة النفار بين النفس وهداها، أو بين العلم وأصوله، أو بين التطبيق والقاعدة. فالصلاة التي تقام طبق ما بين الله والرسول، توصف بأنها عمل صالح، فقد وافق التطبيق القاعدة، والصلاة التي تؤدى على غير ما بين الشرع، فهي عمل فاسد باطل، لأنها حققت وجود النفار بين النفس والهدى، أو المباينة التامة بين التطبيق والقاعدة. أما العمل الذي لا يتعلق بأصول الدين، أو كما يقال: العمل الدنيوي فيكون صالحًا بموافقته للعرف الصحيح، وقواعده السليمة التي أجمع الحاذقون عليها، كما يحدث في الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها، فلكل حرفة أصولها المجمع عليها، فمن خالفها، فقد جاء بفساد وعبث يحاسبه الله عليهما. ومن هنا لا تكفي الإرادة الصالحة في تقييم العمل أو تقويمه وجعله صالحًا، فلا يغتر أولئك الذين يخادعهم زعم الزاعمين أن الإرادة الطيبة وحدها كافية في النجاة. ومن يتدبر الآية يجد صدق ما أقول. ففي الآية شرط يتحدث عن الإرادة وذلك في قوله: {فمن كان يرجو} فهذا الرجاء إرادة صافية سامية، ولكنها كما بينت الآية غير كافية في النجاة، لأن الله تعالى يقول: {فليعمل عملًا صالحًا} الآية.

فلا بد -إذن- مع الإرادة الطيبة من وجود العمل الصالح مع انتفاء الشرك. والإخلاص في العمل لا يتحقق إلا بوجود الإرادة الصالحة التي تبغي وجه الله سبحانه، أو التي لا يزيغ بها شرك الرياء والنفاق عن وجهتها الطيبة المستقيمة. ولنضرب لهذا مثلًا.

رجل صلى وفق ما بيَّن الله ورسوله، وأجاد وأتقن رسوم الصلاة، ولكنه أراد من ذلك ثناء الناس. إن عمل هذا الرجل فاسد باطل، إذ نقص الشرط الثاني، وهو أن يكون خالصًا، أو بمعنى آخر: مسه طائف من الشرك!!.

{ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} بأمرين يتحقق للعبد لقاء ربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت