نظر إلى الناس فقال المفطرون للصوام أفطروا) [1] ، وعن أبي سعيد الخدري قال (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة و نحن صيام فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم و الفطر أقوى لكم فكانت رخصة فمنغا من صام و منا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحي عدوكم و الفطر أقوى لكم فأفطروا فكانت عزمة فأفطرنا ثم قال فلقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر) [2] ، ولا شك أن الجيش الذي يثبت على هذا المنهج لا يهزم، ولا يضعف حتى لو قل العون والمدد، فلا تزال معنوياته قوية، باعتبار أن خير الزاد - في مفهوم الإسلام - التقوى.
فالاستطاعة الكونية لا تطابق حد الاستطاعة الشرعية في أمر القتال في كل الأحايين، حيث لا يسقط الجهاد حتى لو كان العدو ضعف المسلمين في العدد والقوة والسلاح، لقوله تعالى (الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال/66) ، وقد جاء الأمر بالتخفيف بعدما كان حد الاستطاعة الشرعية في شرع ما قبلنا أكثر من ذلك، واستمر في شرعنا حتى جاء التخفيف كما في الآية السابقة، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الأنفال/65) ، فقولهم (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) يأخذ في الاعتبار حدود استطاعتهم الكونية، أما قول المؤمنين بلقاء الله (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) يأخذ في الاعتبار الحدود الشرعية للاستطاعة، ومتجاهلا الاستطاعة الكونية، والحسابات المادية البحتة، فلا يأخذوا منها إلا ما يحقق لهم قدر الاستطاعة الشرعية، وذلك لثقة المؤمنين في وعد الله تعالى لهم.
(1) رواه البخاري ج 13 ص 173 رقم 3942
(2) رواه مسلم ج 5 ص 447 رقم 1888، ورواه ابن خزيمة ج 3 ص 257 رقم 2023 وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 408 رقم 4078