ويقوم هذا المنهج على حرية التفكير والاستدلال وحق المجادلة، وهذه الحقوق أقرها الإسلام، بما يجعل العقل يصل إلى أعلى مراتب التفكير والثقافة والحوار، فإذا وصل إلى مرتبة ثقافة الحوار مع الآخر فقد تعقل، يقول سبحانه (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) {العنكبوت/46} .
ولعل الأجدر بالمحاجاة هو من ظن أنه بما ملك من قوانين وضعية قادر على إنفاذ حكمه على الناس، ولا ينقض حكمه أحد فيعدم هذا بقرار عسكري ويعفو عن مستحق للإعدام بقرار منه، ولا يعترض على قراره أحد، بيد أنه إزاء قوانين الله تعالى الكونية يستشعر عجزه، ويبهت عن مقارعة من يحاجه، وهو الأمر الذي يحيل نظر المسلمين إلى الدلالات الإعجازية في الكون، ويصرف أنظارهم عن الفلسفات النظرية والمجادلات القانونية التي لا طائل منها إلا المراء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا) [1] ، قال الشعراوي (لقد اتبع النمرودُ أسلوب السَّفْسَطة حين قال {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ .. } [البقرة: 258] لأنه ما فعل حقيقةَ الموت، ولا حقيقة الحياة، فأراد إبراهيم أن يُلجئه إلى مجال لا سفسطة فيه؛ لينهي هذا الموقف ويسدّ على خَصْمه باب اللدد والتهريج) [2]
خامسا: منهج المعايشة والمحاكاة في التعليم، الآية (259) :
وهذا المنهج يقف الناس عنده في أمور الاعتقاد، فلا يصل إليه إلا الأنبياء أو من اختصه بفضل الولاية والاصطفاء، لأن معايشة الأمور الغيبية تُصَيِّرها إلى مشاهدة، وليس ذلك هو الإبتلاء، لأن الناس يبتلون بالإيمان بالغيب، فإذا صار هذا الغيب شهادة سقط عنهم التكليف، ومن ثم لم تتحقق الحكمة من الإبتلاء، والأمر بخلاف ذلك بالنسبة للأنبياء والأولياء الصالحين، لأن الأنبياء مكلفون بأداء الرسالة وتحمل الأمانة، وتبعهم في ذلك الأولياء، ومن ثم فإن تكليفهم بهذا العبء
(1) رواه أبو داود ج 12 ص 422 رقم 4167 وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 1 ص 552 رقم 273 - صحيح وضعيف أبي داود ج 10 ص 300 رقم 4800
(2) تفسير الشعراوي ج 1 ص 5984