فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 123

المبحث الثاني

الوحدة الموضوعية للسورة

صوبت سورة البقرة مفهوم الإنسان عن الدنيا، حتى تكون - وإن شئت اختزلتها في بقرة - قال تعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) (آل عمران /14) - سببا لتذكر نعمة الله تعالى، وليست سببا للاقتتال والافتتان، وإنما يكون القتال لأجل حفظ الدين، ودرء العدوان، ومنع الفتنة ولذلك أفردت السورة عدة مقاطع منها للحديث عن القتال في سبيل الله، الآيات من (190 - 195) ، ومن (216 - 218) ، فصدر الأمر من الله (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة/190) ، وتلته الآيات لتبين القاعدة في القتال، ومتى نكف اليد عنه، وعلته ووقته ومكانه وكيفيته بالمماثلة وتمويله، ثم تحدثت بين هذين المقطعين عن الحج باعتباره صورة من صور الجهاد السلمي وأعظم الجهاد في الإسلام، وتحدثت -كذلك - عن النفاق كأشد الصور التي تنخر في صفوف المسلمين، وتحدثت عن السلم ودعت إليه المؤمنين كافة، وبينت خطوات الشيطان في إفساد الأمر على المؤمنين، وحذرتهم من الوقوع في الزلل بعد أن ظهر الحق، فلا حاجة لكثرة الآيات متى تأكد الحق بآية من الله، ومن يكثر من طلب الآيات مثله كبني إسرائيل في المماطلة في الحق لأجل الدنيا، ومن ثم يقع بينهم الاختلاف، ثم الاقتتال، فإذا ما علمنا ذلك وجب التنويه أن تجاوز مرحلة الإبتلاء سنة الله تعالى حتى يأتي النصر، ولا تزال منابع الخير والإنفاق قائمة رغم الانشغال بالقتال ودفع الأعداء، ومن ثم انتقلت إلى الحديث عن القتال تصريحا (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (216) ، فجعلت حفظ الدين مقدم على حفظ النفوس، وبينت العلة منه وحتميته وأنه حقيقة الإيمان، إذ لا يزال حنق أهل الكتاب قائما ولا يزالون (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة/217) ، فلا سبيل لدفعهم إلا بالقتال متى توافرت أسبابه.

كما اقتطعت السورة شوطا كبيرا منها - الآيات من (220 - 243) - للعناية بالأسرة المسلمة قبل أن تستطرد في الحديث عن التربية الجهادية، والغاية من التمول والإنفاق، باعتبار أن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت