فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 123

الإعجاز الدستوري في سورة البقرة

تزامن نزول أول آيات سورة البقرة مع مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة بعد هجرته من وطنه الأول مكة المكرمة، وإنشاء أول دولة للمسلمين تقوم على دستور وشعب متعدد الديانات حيث كان يقطنها المهاجرون والأنصار، وكان يسكنها من قبل أهل الكتاب، فظهرت الحاجة لأن تتحدث سورة البقرة عن بني إسرائيل باعتبارهم طرف أصيل في دولة المدينة المنورة، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بدين جديد، وتولى الزعامة عليهم، حسدوه وحسده المنافقون- كذلك- حيث أُوتي الملُك عليها دونهم، لكنه سرعان ما بادر بوضع وتأسيس أول دستور بالمدينة المنورة، فكان بمثابة الإطار التشريعي لما ينظم علاقة الدولة بالرعية، وعلاقة الأفراد بعضهم ببعض في أطر شتى سواء في العلاقات الاجتماعية أو الأسرية أو المالية والاقتصادية والتجارية، فكان لابد أن يساير القرآن الكريم هذا التغير الحادث في مراحل الدعوة الإسلامية، فتنزلت سورة البقرة لتبين الأسس التي ينبغي أن يسير عليها النبي صلى الله عليه وسلم في بناء هذه الدولة، وتبين له أصناف الناس في المجتمع الذي ينشد بناء دولته فيه على أسس راسخة، وترسم للمسلمين معالم دولتهم الجديدة، وتعالج مشكلاتهم الحالية، وكان في ذكر قصة آدم عليه السلام واستخلافه في الأرض إيضاح للغاية من خلقه، كما كان في ذكر قصة طالوت وجالوت، وإتيان داود الملك استكمالا لقصة آدم التي بدأتها السورة في بداية مطلعها من حيث استكمال مفهوم الخلافة في الأرض، والأخذ بأسباب التمكين.

ولم تزل آيات هذه السورة تتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة المنورة منذ أن قدمها حتى آخر عهده بها، حتى نزلت فيها آخر آية من القرآن الكريم، فعن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين، لليلتين خلتا من ربيع الأول [1] ، قال ابن عباس هذه آخر آية نزلت على النبي صلى

(1) تفسير ابن كثير ج 1 ص 720 رواه بن أبي حاتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت