الآيات من (243 - 283) : قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ... ) [1] .
لا شك أنه إذا تعددت ديار المسلمين واتسعت رقعتها، فإن بعضها قد يمنى بالضعف والآخر قد يتمتع بالقوة، وقد يهجم العدو على بعض ديارهم دون بعض، ومن ثم يهرع سكان البلد وأهلها، فيتعين عليهم الجهاد فرضا، لأنه سيصير حينئذ جهاد دفع، بيد أن المشاهد أن كثير من الناس يهرب إلى البلدان المجاورة خوفا من أن يلحقهم الموت، وهم لا يدركون أن الموت سوف يلحقهم أينما كانوا، يقول سبحانه (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (النساء/78) ، ولذلك تكلم هذا المقطع عن الموت، ومشهد الهروب منه، ومعجزة الإحياء بعد الإماتة في أكثر من موضع .. ، ففي مستهله، وبصدد حكاية مقاتلة جيش طالوت لجالوت، حيث أحيا الله أمة موات استبيحت ديارها وأموالها وأبنائها بالجهاد في سبيل الله، وفيها إشارة إلى جهاد الطلب والدفع في آن واحد، وإثر حكاية مجادلة النمرود لإبراهيم عليه السلام، وفي إثر حكاية العزير نبي الله، وقصة نبي الله إبراهيم والطير كذلك .. ، كل ذلك لبيان
(1) قال الشعراوي (نعرف من هذا القول أن علة الخروج إنما كانت مخافة أن يموتوا، أما عن سبب هذا الموت فلم تتعرض له الآيات، وإن تعرض المفسرون له وقالوا كلاما طويلًا، .. إذن القرآن يعالج المسألة من الزاوية التي تهم، ولكن ما هو السبب ولماذا الخروج؟ فذلك أمر لا يهم؛ لأن القرآن لا يعطي تاريخا، فلم يقل متى كانت الوقائع ولا زمنها، ولا على يد من كان هذا، ولا يحدد أشخاص القضية، كل ذلك لا يهتم به القرآن. والذين يتعبون أنفسهم في البحث عن تفاصيل تلك الأمور في القصص القرآني إنما يحاولون أن يربطوا الأشياء بزمن مخصوص، ومكان مخصوص وأشخاص مخصوصة، ونقول لهم: إن القرآن لو أراد ذلك لفعل، ولو كان ذلك له أصل في العبرة والعظة لبيّنه الحق لنا، وأنتم تريدون إضعاف مدلول القصة بتلك التفاصيل، ... وحين يبهم في قصة ما عناصر الزمان والمكان والأشخاص وعمومية الأمكنة إنه - سبحانه - يعطي لها حياة في كل زمان وفي كل مكان وحياة مع كل شخص، ولا يستطيع أحد أن يقول: إنها مشخصة ... ولذلك إذا أراد الحق أن يبهم فقد أبهم ليعمم)
تفسير الشعراوي ج 1 ص 648