المبحث الرابع
تشابك الخيوط الرئيسية لمحاور السورة
لتأسيس دولة المدينة المنورة كان لابد من استعراض الناس بها وتصنيفهم وبيان صفاتهم، ثم إظهار الغاية من خلقهم، والغاية من خلق الكون حولهم، فإذا تعلم الإنسان لماذا خلق؟ وعلم مغزى استخلاف الله له، والمقدرات التي خلقها الله من أجله، فعليه أن يعلم عدوه وقدرته على إنزال الضر به، وعليه كذلك أن يتعلم كيف يعالج هذا الضر إذا نزل به، ولذلك بصَّر الله آدمَ الهدى ليهتدي إليه هو وذريته، وليستكملوا رسالة الاستخلاف وحمل أمانة الدين من بعده، بيد أن أسوأ نموذج في البشر لحمل أمانة الدين تمثل في بني إسرائيل، فكانوا أكثر الناس مماطلة وكذبا وتحريفا ونبذا لكتاب الله وأوامر الله، وأقرب الناس عبادة للشياطين، ومن ثم ذكرت السورة أفضل الناس عند الله تعالى في إتمام الأمانة وهو نبي الله إبراهيم، حيث أدى الأمانة وبلغ الرسالة حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم وتبعه على نهجه وخالف أهل الكتاب في كل شيء، وبذلك تميز الإسلام في شعائره وعباداته وعاداته عن أهل الكتاب، لتتحول القبلة ويكون ذلك إيذانا بمخالفتهم وحمل أمانة هذا الدين عنهم، للتأكيد على تبرء الأمة من تحريفهم للكتاب وتبديلهم الدين بأهوائهم، وهو الأمر الذي تطلب تربية هذا الجيل من الصحابة على القرآن والسنة على يد رسول الأمة، فكانوا بحق أفضل الناس عند الله تعالى عقيدة وعبادة وأخلاقا ومعاملة، وكانوا الرعيل الأول الذين صدقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، واستطاعوا بفضل الله تعالى أن يظل هذا الدين مُوَرثا لغيرهم ممن يخلفهم، حيث ورث الخلف أقوالهم كما ورثوا أفعالهم، ولا تزال في الأمة المسلمة النخب الفكرية القادرة على ضبط عقيدة المسلمين وعبادتهم وأخلاقهم بميزان الإسلام، أولئك القادرين على تهيئة المجتمع لاستقبال أوامر الله وتخليصه من التبعية للأنداد، ليخلصوا في اتباع الإسلام منهجا وعملا، ومن هذه النخبة تنبثق القيادة القادرة على تطبيق الإسلام على نفسها أولا ثم تطبيقه على الناس ثانيا، فيأمرون بالبر وهم أقرب الناس إلى البر.
وهنا تبدأ مرحلة التحول الحقيقية لهذا المجتمع إلى دولة ذات سلطة وسيادة تحمي الأنفس وتحقن الدماء وتحافظ على الأموال والأعراض، ويتربى مجتمعها كأفراد في إطار معنوي رفيع من القوة