الآيات من (124 - 150) : قوله تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ... )
تحتاج الدولة المؤمنة التي لا تزال تحت التأسيس وغير مثبتة الأركان إلى تجارب سابقة تسترشد بها لتثبيت دعائم أركانها، فكان في حكاية قصة إبراهيم عليه السلام فور الانتهاء من سرد قصة بني إسرائيل وفشلهم في حمل أمانة الخلافة ما يبين الصورة المقابلة للنموذج الفاشل، بل هو النموذج الذي لابد لنا - كأمة محمد صلى الله عليه وسلم - من استكماله، فليس علينا أن نبني دولة مبتدأة، فقد بناها نبي الله إبراهيم عليه السلام، وإنما علينا أن نفهم كيف بناها، ومن ثم ماذا علينا أن نفعل حتى يستكمل البناء، ويكون الدين كله لله، يقول سبحانه (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) {الفتح/28} .
فكان نبي الله إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة لهذه الأمة المحمدية، لأن الله تعالى أقام على يديه قواعد بيته الحرام، وأحيا بفضله أرضا موات، وتوالت على يديه المعجزات، فصارت من صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء، ولا يقطنها بشر، ولا توجد فيها أدنى مقومات الحياة، إلى بلد هي مركز الخلافة الإسلامية في الأرض، تمارس فيها شعيرتي العمرة والحج طوال العام، وليس على الأرض مسلم إلا وعليه أن يزور هذا المكان، فامتلأت بالوفود والزائرين، وهي من قبل قد خلت من الناس، وامتلأت بالخيرات والثمرات، وهي من قبل غير صالحة للحياة، فعن النبي صلى الله عليه وسلم (جاء بها - أم إسماعيل- إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له أالله الذي أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ