ومن جهة أخرى لا يُكره الإسلام أحدا أن يسلم، وإنما يكره الظالمين أن يحترموا شعائره وحدوده، وليس في ذلك مصادرة لحرية الفكر أو الاعتقاد، فمن يعتقد بحل الزنا والخمر لا يلتزم في شرعنا بشيء من ذلك متى استتر عن الأعين، حتى لا يصيب المجتمع المسلم بأذى من أفعاله، ولذلك أجاز الإسلام شرب الخمر للذمي متى استتر عن الأعين، وهو عين ما تطبقه المجتمعات التي تجرم الخمر في الأماكن العامة.
وهذا المنهج الذي اتبعه الإسلام في التعليم هو ما أوصل الناس إليه، وذلك حينما استشعروا الحرية فلم يجدوا غير الإسلام دينا يرتقي بحريتهم إلى مصاف الخليفة لهذا الكون، ولا ينزل بهم إلى درك الحيوان والبهائم، إذ وجدوا فيه ما يحفظ لهم حريتهم، ولذلك يقول علماء القوانين الوضعية أن تنظيم الحريات يضمن ممارستها للجميع على قدر المساواة، وأن عدم التنظيم يجعل كل صاحب حرية يتغول بحرية على الآخر، فيعيش المجتمع في وطأة استبداد الأقوى، ولا يذوق طعمها إلى الأكثر استبدادا، ومن ثم يتحول المجتمع إلى غابة وليس إلى دولة متمدينة.
وهذا المنهج التعليمي يؤسس مبادئ التفكير البسيط، وأوضح مثال لذلك التفرقة بين الظلمات والنور، فالطفل ينمو عقله منذ اللحظة التي يولد فيها، وأول شيء يستطيع إدراكه مما يحيط به وأول شيء يستطيع تمييزه هو النور والظلمات، وذلك هو عين المنهج الاستقرائي والتمييز في تعليم الناس الإسلام، فالذي يعيش في ظل الإسلام يدرك النور، والذي يعيش بعيدا عن الإسلام يتيه في الظلمات، قال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) {الأنعام/122} ، أما الذي لا يستطيع أن يميز النور من الظلمات فهو الأعمى، ومثله كما قال الله تعالى فيه (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) {الأعراف/179} .