الآيات من (40 - 123) قوله تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ... )
تفرد الآيات شوطا طويلا لبني إسرائيل - وحدهم - الذين كانوا يعيشون مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لتذكرهم ما مضى - بإجمال- في شأن أسلافهم، وما تسبب في إخفاقهم عن حمل أمانة هذا الدين، ناصحة لهم أن لا يقعوا في مثل ما وقع فيه أسلافهم، فالنصيحة تسبق الموعظة، فهي نصيحة لهم، وموعظة لأمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فتذكر جوانب من حياتهم تدل على علمهم الحق وكتمانهم له، وتلبيسهم الحق بالباطل، وخيانتهم للعهود، وحبهم للدنيا وكراهيتهم للموت وعبادتهم للمال، وعدم انصياعهم لأوامر الله، ومماطلتهم في أداء الحقوق، وتحريفهم لكلام الله، وسفكهم للدماء وقتل الأنبياء، وسبهم للملائكة، واتباعهم للسحرة والشياطين، فكانوا بحق أشد عداوة للمؤمنين، وأخص أعداء المسلمين وأشد حاسديهم، وهو الأمر الذي يجب تحذير الجماعة المؤمنة منه حتى لا تنهدم دولتهم ويضيع دينهم على أيدي هؤلاء الحاقدين.
فتبدأ -أولا - بتوجيه النداء لهم وتكراره لتذكيرهم بفضل الله عليهم، ونهيهم عن تلبيس الحق بالباطل وكتمانه وتأمرهم بأن يتخذوا سبيل الحق وفق منهج الله، هذه هي النصيحة بإجمال، ثم تكرر النداء لهم - للاعتبار بقصص أسلافهم، فتذكرهم بنعم الله عليهم تفصيلا، لما مكنهم في الأرض بعد أن أنقذهم من فرعون وجنوده، وكانوا من قبل مشردين ومستضعفين، بيد أنهم بعد ما رأوا بأعينهم معجزة شق البحر انحرفوا عن اتباع موسى عليه السلام، وعبدوا عجلا من ذهب تقديسا منهم للدنيا وحبا للمال، فكانت توبتهم أن ينفذوا أمر الله بقتلهم أنفسهم، تدليلا منهم على أن أنفسهم ليست أغلى من الدين، فلا يفرطوا فيه بعد ذلك أبدا.