ثم إنهم - ثانيا - بعد ذلك تجرؤا علي الله وطلبوا رؤيته، فوقعوا في خطيئة أخرى، وهي أنهم لم يعطوا الله حق قدره، إذ طلبوا أن يتجسد لهم في حدود أعينهم والله تعالى لا تدركه الأبصار، حيث لا تدرك الأبصار خلق السماء، فكيف بها تدرك الله خالق السماء! وفي ذلك استخفاف بحق الله عليهم، وتهوين لأمر عبادته، أما موسى عليه السلام فلم يكن مثلهم في طلب رؤية الله تعالى، فلم يرهن إيمانه على رؤية الله، فرؤية الله سبحانه ثابتة في السنة لأهل الجنة، وإنما كان ذلك منه من باب الشوق إلى استعجال نصيب من الجزاء، والوصول بتلك الرؤية إلى درجة عين اليقين.
وبالرغم من ذلك منحهم الله تعالى فرصة أخرى إذ أحياهم بعد أن صعقهم، ورزقهم بلا سبب، ومقابل هذا الفضل أمرهم بالجهاد ووعدهم بالنصر، فعادوا إلى ما كانوا عليه من الرضا بالدنيا وكراهية الموت - فكانت الثالثة منهم - وهذا يفسر لنا حقيقة الإيمان في قلوبهم، حيث لم يدخلها ولن يدخلها إلا بالجهاد في سبيل الله، يقول سبحانه (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) {الحجرات/14 - 15} ، فعن عتبة بن عبد قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال فرمي رجل من أصحابه بسهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب هذا، وقالوا حين أمرهم بالقتال إذن يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما من المقاتلين) [1] ، وفي رواية عن عبد الله قال قال المقداد يوم بدر يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون)، ولكن امض ونحن معك فكأنه سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] ، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة} -
(1) رواه أحمد في مسنده ج 29 ص 190 رقم 17641 والطبراني في المعجم الكبير ج 17 ص 124 رقم 13994
(2) رواه البخاري ج 14 ص 127 رقم 4243