تاسعا: لابد من استمرار الإنفاق في سبيل الله تعالى لأجل استمرار التدافع
وهو ما يعلمنا أن العلاقة طردية بين الإنفاق في سبيل الله وبين قوة الحق في دفع الباطل، فكلما ارتفع الانفاق ازداد الحق قوة في دفعه، وكلما قل كلما ظهر الباطل وأضحى واضحا، وهو ما أشارت إليه آية سورة الروم، بقوله تعالى (وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ... ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم/41) ، فلو لم يحدث الإنفاق لاستشرى الربا، ولو استشرى الربا لظهر الفساد، وعندئذ يضعف الحق عن دفع الباطل وإزهاقه.
سبق أن أشارت السورة إلى حفظ العقل والتعقل، الآيات (164) ، و (219) ، و (242) ، بمنهج تفعيل النعمة ودرء المخاطر التي تؤذيها، وها هي السورة تتحدث عن استعمال النعمة وتفعيلها من جديد من خلال منهجيات التفكير
فالآية (164) تحدثت عن أول حركة للعقل البشري بالتأمل فيما حوله من كون منظور، فعنيت بالعقل من حيث وظيفته الأساسية، والوصول به إلى خالق الكون والوجود، أما الآية (219) فتحدثت عن أشر الشرور التي تتهدد هذا العقل، لأن العقل مناط التكليف، فلا جناح على المجنون ولا النائم أو الناسي، لكن من يغيب عقله لسبب منه مخمورا، فقد خرج عن دائرة التكليف الشرعي بسبب منه، ومن ثم خان الأمانة التي بها جُعل خليفة، ولذلك شرع حفظ العقل من العدم بتحريم الخمر، وكذلك حظر الميسر من جهة أن فيه تسفيه للعقل لضياع المال في مصارف الشيطان، أما الآية (242) قوله تعالى (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، فقد تلت مقطع كبير من سورة البقرة يتحدث عن الأسرة المسلمة، فتحدث عن الزواج وأحكامه والطلاق والفراق .. الخ، الأمر الذي يؤكد استحالة حفظ الأسرة المسلمة بدون تعقل، وأن ضياعها راجع إلى عدم التعقل، ولذلك تقدمت مرتبة هذا المقصد على حفظ الأسرة.