قرأ عليه أول سورة الزخرف، قالا: فعرفنا - والله - في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله [1] ، وبإسلامهما - سعد بن معاذ وأسيد بن حضير - أسلم خلق كثير.
الأمر الذي يطرح سؤالا، ماذا قال مصعب بن عمير للناس؟ وماذا قال أسعد بن زرارة؟ وماذا قال أسيد بن حضير وسعد بن معاذ لقومهما؟ ولم يدركا من الإسلام شيئا من تعاليمه أو أحكامه، وهو ما يجعلنا نفهم أن تحول المجتمع المسلم إلى دولة مسلمة لم يكن باختراق صفوف الدولة غير المسلمة، ولا بالاندساس بين قياداتها، وإنما بالكلمة الطيبة والعقل الرشيد، تلك الكلمات التي سمعها أسيد بن حضير وأسلم ومثله أسعد بن زرارة سيدا قومهما، قال ابن شهاب: وكان أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] - يعني مصعب بن عمير - وعن البراء أنه قال (أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ثم قدم علينا عمار بن ياسر وبلال رضي الله عنهم) [3] ، ومن هنا يتحقق تمام التعقل، وتكون دعوة الشارع للفكر والتفكر من مقاصد الشرع.
حيث تستهل الآيات الموضوع بعرض صورة ليست بالصورة الصحيحة ولكنها انتشرت في المجتمع، وتنتشر في المجتمعات التي لا يزال الإسلام غير راسخ فيها، وتحتاج لإيغال الإسلام في حياتهم، ولن يتحقق ذلك إلا بالحب لهذا الدين، ليكون حب الله ورسوله خير مما سواهما، وليتخلص العباد من ذل العبودية لغير الله تعالى، والتبعية لغير منهج الإسلام، ليكون حبهم لله حاملا لهم على اتباع رسوله، والتزام منهجه، فلما رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المنهج خرج من الصحابة ربعي بن عامر ليقابل ملك الفرس رستم، فلما سألوه: ما جاء بكم؟ قال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام [4] ، ولم يحفل الصحابة رضوان الله عليهم بما يجاور المدينة
(1) ذكره ابن اسحق: انظر الروض الآنف ج 2 ص 258، د/ على الصلابي: السيرة النبوية دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة ج 4 ص 243 - السيرة لابن حبان ج 1 ص 105
(2) صفوة الصفوة ج 1 ص 161
(3) أخرجه البخاري (3924) وابن سعد في الطبقات 3/ 1/83
(4) البداية والنهاية لابن كثير ج 7 ص 47