المنورة من مدن مزدهرة أو جيوش مدججة أو نمارق مبهرجة، فلم يسعوا إلى مودتهم ولا إلى الارتماء في أحضانهم أو حتى موالاتهم وإظهار تبعيتهم لهم، وإنما اعتزوا بدينهم، و تحرروا من كل الأنداد، فكانت الدنيا تجري وراءهم وهم لا يسعون وراءها، وإنما كانت مسارعتهم وكان تعجلهم في إرضاء ربهم (وعجلت إليك ربي لترضى) .
كما تضمن هذا المقطع توجيه نداء رباني للناس جميعا، وهو النداء الثاني الموجهة للناس، وكان النداء الأول في أول هذه السورة (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ، وهو الآن يرشدهم لأول طريق عبادته بأسلوب التعقل، (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) ، حيث تتدخل العبادة فيما يأكله الإنسان ويشربه، وتتدخل في عاداته وسلوكياته، فهو نداء توجيهي يمهد النفس البشرية لاستقبال التشريعات الربانية التي سوف تنزل لتحكم مجتمع المدينة بأسره، ليأمرها أمر تعقل بأن تستطيب النفس البشرية كل ما هو حلال طيب مما تنبته الأرض، حيث يشرع الناس في الاستباق نحو هذه الأرض لتعميرها وريها وحرثتها وزرعها، ثم هم يجنون ثمار ما عملته أيديهم، وما توكلوا على مولاهم فيه، ولا يستعجلوا الرزق باتباع خطوات الشيطان الذي يأمرهم بالسوء والفحشاء والتقول على الله تعالى بجهل ليكسبوا عرضا من الدنيا لا يقيم لهم دينا ولا دنيا، فيكون العمل والتوكل على الله هما شرطا الاستخلاف في الأرض، وبالتبعية حمل أمانة هذا الكتاب الكريم، وعلى الناس أن يفهموا أن هذا الدين جاء بكل ما فيه خير لهم، وفيه ما يصلح دينهم ودنياهم، وليس ما كان عليه الناس وتوارثته الأعراف، ولو كان آباءهم عليه، وماتوا على ذلك، فإنه لم ولن يقيم شيئا مما فيه خير لهم، فكان لابد من ثورة إصلاحية لأعرافهم الجاهلية، حتى يتحرروا منها، ويعبدوا الله وحده، ويحرروا قومهم مما ورثوه من أعراف لا طائل منها غير النعيق، فلا يدرك الناعق حكمةً ممن هو متبعه، ولا يصل به إلى هدى.
ويستهل المقطع بنداء ثالث للذين آمنوا في هذه السورة، فالمعْنيُّ بحقيقة هذا النداء هم الجماعة المؤمنة قيادة وأفرادا، فهو نداء لها باعتبارها القائمة على تنفيذ أوامر الله تعالى، والمقيمة لشرعه على الأرض، نداء لها لكي تقوم بفروض الكفاية - فضلا عن فروض العين - التي يتعين لإقامتها أن تقوم القيادة المسلمة بالسهر عليها ورعايتها، فالقيادة المسلمة - المنبثقة من النخب