فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 123

سابعا: الإسلام دستور تدافع، وليس دستور استقرار وقرار، فهو يجمع بين النظرية والتطبيق في آن واحد:-

ذلك أن هزيمة العدو ليست نهاية الجهاد، وإنما هو نهاية لمرحلة من مراحل الصراع بين الحق والباطل وبداية لصراع جديد حتى يتحقق معنى الابتلاء، فلما انتهى المسلمون من قتال أعداء الإسلام من البشر، ملَّك الله داود ملكا ورثه بعده سليمان، ثم وسَّع ملكه لملكٍ لا ينبغي لأحد بعده، فكان تسخيره للجن والشياطين وحبس المردة من الشياطين هو مرحلة جديدة من مراحل الصراع والتدافع بين الحق والباطل .. وهكذا سيظل الدفع قائما بين الخير والشر، يقول صاحب الظلال في قوله تعالى (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق) الله سبحانه وتعالى هو الذي يتلوها، وهو أمر هائل عظيم حين يتدبر الإنسان حقيقته العميقة الرهيب، (نتلوها عليك بالحق) تحمل معها الحق، ويتلوها من يملك حق تلاوتها وتنزيلها، وجعلها دستورا للعباد، وليس هذا الحق لغير الله سبحانه، فكل من يسن للعباد منها غيره إنما هو مفتات على حق الله.

ثامنا: يستحيل التعايش بين أتباع الأنبياء إلا في ظل الإسلام

فالواقع والتجربة يشهدان أن أتباع الرسل في العصور المختلفة حتى بعد الإسلام ظلوا في تناحر شديد واقتتال فيما بينهم، ووقعت بينهم المذابح والمحارق والمجازر .. الخ، وذلك كله بالرغم من أن دعوة الرسل واحدة، وإن كان لكل رسالة شريعتها، الأمر الذي جعل كل فريق وكل أصحاب دين يعلون بشريعتهم على غيرهم، طمعا في الدنيا لا رغبة في الآخرة، وهو ما رفضه الآخرون، فإذا جاء الإسلام رسخ مفهوم التعايش على قاعدة راسخة مبنية على واقع ملموس، وليس نظرية غير قابلة للتطبيق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون لولا موضع اللبنة) [1] ، وهو الأمر الذي يعني أن الإسلام جاء ليستكمل البناء الذي أسس قواعده نبي الله إبراهيم عليه السلام، ومن قبله نوح عليهما السلام، وأسس أركانه النبيين و الرسل من بعدهما موسى وعيسى .. وغيرهما، وكل رسول أوكلت له مهمة أداها على أكمل وجه، ثم تأتي الشريعة الإسلامية لتؤكد أنها وإن كانت ناسخة للشرائع قبلها ومتميزة في عباداتها ومعاملاتها عن الشرائع التي قبلها، فإنها تستكمل هذا البناء التشريعي الذي يحكم على الناس حياتهم وإن كانوا

(1) رواه البخاري ج 11 ص 365 رقم 3270

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت