المبحث الأول
تسميتها
استعجب الكفار والمشركون - بل واستهزءوا - أن يسمي القرآن سورا بأسماء الحيوانات والحشرات والطيور، (البقرة، العنكبوت، النمل، العاديات، الأنعام، النحل، الفيل) ، بل وإن آيات من القرآن تتحدث عن الذباب والهدهد والدواب، فلم ينتبهوا إلى الحكمة من ذلك، وقد رد عليهم القرآن في سورة البقرة، فقال سبحانه (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) (البقرة/26) ، ولم يدركوا الحكمة من تسمية سورة البقرة بهذا الاسم.
وللعلماء في تسميتها أقوال عدة، ولعل أكثر أقوالهم في سبب تسميتها بهذا الاسم هو ذكر قصة ذبح البقرة فيها، واقتران ذلك بقصة عبادة بني إسرائيل للعجل [1] - وهم أولاد نبي الله يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام وذراريهم - أخوة يوسف -، وذكروا المناسبة بين القصتين [2] ، وقبل الاستطراد في ذلك نود أن ننوه إلى ما ترمز إليه البقرة، ودلالة ذلك في هذه السورة،
(1) التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ج 1 ص 95 - نخبة من علماء التفسير وعلوم القرآن تحت إشراف د/ مصطفى مسلم جامعة الشارقة - نقلا عن الماوردي إجابة عن السؤال لماذا الأمر بذبح البقرة تحديدا، فقال (لأنها من نس ما عبدوه من العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من عبادته) النكت والعبون 1/ 137
(2) قال العلماء أن تخصيص البقر بالذبح في قصة الكشف عن قاتل الغلام، أن بني إسرائيل كانوا يعبدون العجل، فإذا أردوا أن يكشفوا حقيقة الجرم الذي بينهم فعليهم أولا أن يتخلصوا من الشرك الذي وقعوا فيه على سبيل المجموع بأن يذبحوا بقرة، وكانت صفراء في إشارة إلى العجل من ذهب الذي عبدوه من دون الله تعالى
وقال الدكتور تيسير الغول: أنه من المعلوم أن اليهود لديهم صفة البخل والشح، وهذه الصفة غالبة على طبائعهم الى يومنا هذا، وفي زمن موسى عليه السلام كانت الأبقار من أنفس الأموال وأفضلها عندهم، فيتباهون بما لديهم من أبقار. فهم أصحاب بقر وليسوا أصحاب ماشية أو ابل مثل أهل البادية. ولذلك فإن الله تعالى طلب منهم أن يذبحوا بقرة لعلمه سبحانه أنهم بخلاء وسوف يترددون في ذبحها لأنها من أنفس أموالهم، وما زالت اليهود تعنى بالبقر الى هذه اللحظة ففي فلسطين المحتلة ثروة هائلة من البقر. بل إن أكبر كمية حليب على وجه الأرض خرجت من مزارع أبقارها. ومشاريع تسمين العجول هناك لا تخلو منها قرية صغيرة أو خربة بسيطة.