وفي هذاالمنهج تقع المعجزة على يد النبي، ولا يكتفى برؤيته تحققها، ومن ثم كانت هذه المرتبة خاصة بالأنبياء إذا ما تعلقت بأمور الاعتقاد، فكما اختص الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج، واختص موسى بالتكليم ودك الجبل لما تجلى ربه للجبل، واختص عيسى بالمعجزات ومنها الإحياء للأموات، فإنه سبحانه اختص إبراهيم عليه السلام بتجربة إحياء الطير على يديه بعد أن صرهن بالذبح وقطعهن، وجعل على كل جبل منهن جزءا، ثم دعاهن فيحيين بإذن الله وأتين سعيا، وكل ذلك في مقام سؤال ربه (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) ، فالسؤال ليس القدرة، وإلا لما كان حاج النمرود بذلك، وإنما كان لكي يحدث بما رأت عينه، فمن يحدث بما رأى ليس كمن يحدث بما سمع، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ليس الخبر كالمعاينة إن الله خبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح) [1] ، ولذلك كان تعليله للسؤال (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ، وقد أجاب على سؤال ربه (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) ، فكانت إجابته بـ (بَلَى) ، أي أنه لا يشك، ولم يتزعزع إيمانه، وإنما العلة (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي ليصل إلى مرحلة المعاينة عن طريق التجربة، وذلك كان السؤال بـ (كيف) ،فالسؤال عن الكيفية لا عن الماهية أو الفاعلية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [2] .
قال العلماء (تقديره لو كان من إبراهيم شك - معناه أن الشك يستحيل في حق إبراهيم فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقا إلى الانبياء لكنت أنا(محمد صلى الله عليه وسلم) أحق به من إبراهيم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك [3] - قلت فما معنى سؤال إبراهيم قلت سؤاله ما كان إلا عن رؤية .. ربما يتوهم من يبلغه السؤال أنه قد شك فأراد الله تعالى أن يزيل ذلك التوهم بتحقيق منشأ سؤاله فقال له (أولم تؤمن) أي بالقدرة، فقال
(1) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 351 رقم 3250 وقال الذهبي في التلخيص على شرط البخاري ومسلم،
(2) رواه البخاري ج 13 ص 493 رقم 4173
(3) الديباج على مسلم ج 1 ص 172