يتطلب منهم أن يصلوا إلى أعلى مراتب الإيمان بالله تعالى، فلا يكتفى في حقهم الوصول إلى مرتبة الظن بأنهم ملاقوا ربهم، وإنما كان حتما أن تصل قلوبهم إلى مرحلة اليقين، فإذا وصلت قلوبهم لهذه المرحلة من المكاشفة تهيأ لهم مخاطبة أمتهم وبلاغ رسالة ربهم وكأنهم يرون الجنة والنار، فينذرون الناس من النار وكأنهم يرونها، ويبشرونهم بالجنة وكأنهم يرونها، وقد يكشف الله لهم شيئا من الأمور فيحذروا قومهم لرؤيا أو مكاشفة، وهذا حدث مع عمر بن الخطاب، فعن عمرو بن الحارث قال: بينما عمر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل - مرتين أو ثلاثا، ثم أقبل على خطبته، فقال بعض الحاضرين: لقد جن، إنه لمجنون؛ فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه فقال: إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا، بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح: يا سارية الجبل، أي شيء هذا؟ قال: والله إني ما ملكت ذلك! رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل! ليلحقوا بالجبل. فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه أن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة سمعنا مناديا ينادي: يا سارية الجبل - مرتين، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدونا إلى أن هزمهم الله وقتلهم [1] .
ولذلك فإن المعجزات المؤيدة للأنبياء سوف يتكرر شيئا منها في آخر الزمان للطائفة المنصورة بإذن الله، كإخراج الدابة التي تكلم الناس، وأن ينطق الحجر والشجر .. الخ إلى آخر ذلك من علامات يوم القيامة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) [2] .
(1) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج 12 ص 572 رقم 35790 - وأبو نعيم في الدلائل، وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة مختصرة ج 3 ص 101 رقم 1110، وقال: والقصة صحيحة ثابتة وهي كرامة أكرم الله بها عمر ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب. وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر.
(2) رواه مسلم ج 14 ص 140 رقم 5203