فليس المسلمون الذين يقطنون أرضا معينة في بلد معين في زمن ما، فإذا انتهى هذا الزمن عُدم المسلمون وانتهت قضيتهم، وإنما المسلمين ظاهرون على هذا الدين إلى يوم القيامة، ومن مظاهر ظهورهم إقامة شعيرتي الحج والعمرة، التي أقامها نبي الله إبراهيم، ومن ثم يظل هذا الدين متوارثا من جيل إلى جيل حتى تقوم الساعة، وليس ذلك شكلا فحسب، وإنما شكلا وعملا، حتى تلك اللحظات التي مرت على أمنا هاجر عليها السلام بين الصفا والمروة لتسأل ربها سقاءا لابنها إسماعيل وهو رضيع، يقوم الحجاج والمعتمرون بإعادتها وتمثيلها كما هي سبعة أشواط، حتى إذا انتهى طوافها بين الجبلين وجدت الماء من حيث لم تحتسب، لينبع من تحت قدم طفلها، لأن التوكل على الله تعالى لم يفارق قلبها، ومن ثم كان العمل سابق للقول دائما، وكانت التربية العملية أنجع في تحقيق التزكية من الحكم والمواعظ القولية، لكن لا يعني ذلك إغفال التبليغ عن الله تعالى، وإنما كلاهما يتعاضدان لتزكية الفرد المسلم، ولذلك تهددت الآيات الذين يكتمون العلم عن الله تعالى، وتوعدتهم باللعن، وبالرغم من شدة هذا الجرم فتحت لهم باب التوبة شريطة إصلاح ما سلف، بأن يبينوا ما أخفوه، ويوضحوا للناس ما كتموه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) [1] ، وفي رواية (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) [2] .
المرحلة الثالثة: إعداد النخب الفكرية القادرة على توجيه الرأي العام
وذلك من خلال تحرير الفكر من قيد الانشغال بالدنيا والسعي في الأرض إلى سعة الآخرة والتفكر في السماء، ومن قيد طأطأة الرأس إلى المادة إلى زهو النفس وانشراح القلب بملك الله، وتعويد الفكر على التأمل والتدبر وعقد المقارنات سواء بين الأجرام الثابتة والأخرى المتحركة أو بين الظواهر الفزيائية المتباينة كاختلاف الليل والنهار، ودراسة كل حركة في هذا الكون وما
(1) رواه ابن حبان في صحيحه ج 1 ص 298 رقم 96 وقال الألباني صحيح لا غبار عليه: صحيح الترغيب والترهيب ج 1 ص 28 رقم 121
(2) رواه أبو داود ج 10 ص 73 رقم 3173 وصححه الألباني وقال حسن صحيح: صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 8 ص 158 رقم 3658