لما كانت دعوة الإسلام عالمية، ولا تقتصر على بقعة الجزيرة العربية، وكانت للناس كافة، عربهم وعجمهم، وكان قتال أهل الكفر المحاربين ضروري لفتح بلادهم التي عادت الإسلام وأظهرت له العداوة، ولم تبرم مع المسلمين عهدا أوذمة، ولم تسمح للمسلمين أن يظهروا شعائرهم فيها، فوقع الظلم على المسلمين في بلادهم لما غلقت مساجدهم ومنعوا من ذكر اسم الله فيها، ووقع الظلم عليهم لما منعوا من أن ينشروا دعوتهم، وهو الأمر الذي اضطر المسلمون لقتالهم مخافة غدرهم من جهة، ولإزالة صدهم عن سبيل الله من جهة أخرى، وهو ما يستتبع وقوع قتلى من الفريقين، الأمر الذي يثير التساؤل عن اليتامى كأثر للحروب بين المسلمين وغيرهم من المحاربين، فأجابت السورة بشكل قاطع أنهم يعيشون في الأسرة الأكبر، ألا وهي المجتمع المسلم، فيصلحوا شأنهم، ويخالطوهم كأخوانهم مع حفظ أنسابهم لآبائهم، من ثم عالج الإسلام آثار الحروب في ضوء فكرة التضامن الاجتماعي التي أرستها سورة البقرة.
ولما كانت فتوحات المسلمين للبلدان غير المسلمة بالدعوة الإسلامية - لا بالحروب والقتال- فلا علاقة لازدياد المسلمين بفتح بلدانهم، وإنما كان الفتح لمجرد إزالة العائق الذي يحول دون اتصال الداعاة بالمدعوين، ولم يكن يدخل الناس في دين الله أفواجا إلا عن رغبة منهم في السلم، وإيمانا منهم بمنهجه، وحبا منهم لشرعه، دون إكراه أو إجبار، ولما كان ذلك كذلك، ومع ازدياد هذه الفتوحات، كان لابد من أن يثبت قرار المسلمين في هذه المجتمعات الجديدة، ولا سبيل لذلك إلا بالزواج منهم، وما سقطت البلدان الإسلامية في أوروبا إلا بسبب غفلة المسلمين عن ذلك، ولذلك أشارت سورة البقرة إلى معنى هام، وهو أن الزواج أحد وسائل حفظ الدين ونشره وتأكيده وتثبيته وتوريثه للبلدان الجديدة والأجيال القادمة، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها فنهاه ثم أتاه الثانية فقال له