أي حط عنا خطايانا يا الله - فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة) [1] ، والجهاد في سبيل موضع لا تحتمل فيه السخرية ولا الاستهزاء.
والرابعة أن قلوبهم شتى وإن حسبتهم جميعا على قلب رجل واحد منهم، وليس أدل على ذلك من عدم اتفاقهم على السقاء، فجعل الله تعالى لكل سبط منهم عينا يشربون منها، وأعلم كل فريق منهم مشربهم حتى لا يتنازعون، ولو تحلوا بالإيثاء والإيخاء لما كانوا بحاجة لذلك، ولم يكن مجتمع الصحابة مثلهم، فعن أنس رضي الله عنه قال قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري وكان سعد ذا غنى، فقال لعبد الرحمن أقاسمك مالي نصفين وأزوجك، قال بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا فأتى به أهل منزله فمكثنا يسيرا أو ما شاء الله فجاء وعليه وضر من صفرة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مهيم قال يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار قال ما سقت إليها قال نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب قال أولم ولو بشاة) [2] .
والخامسة أنهم اختاروا الشقاء في الأرض بالعمل والنصب والاستزراع والانشغال بالكسب، تفضيلا منهم للحياة المادية على العلاقة الربانية، فقد كفاهم الله رزقهم بلا عمل حتى يتفرغوا للجهاد في سبيل الله، وحمل أمانة هذا الدين، فضلا من الله ونعمة، ولكنهم لم يتحملوا مشقة التكليف به، واستبدلوا مشقة التعب في الأرض بالزراعة فيها عن مشقة الجهاد في سبيل الله، وهذه المعضلة أحيانا تحصل، وذلك حين يتعارض الجهاد في سبيل الله مع التخطيط للتنمية والاستقرار، الأمر الذي يحتم الاختيار بين الأمرين، والله حسم لنا هذا الاختيار بما ضربه من حال بني إسرائيل في قوله سبحانه (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) .
وهو الأمر الذي أحدث صادما بينهم وبين أنبيائهم فقتلوهم، وتلك هي العثرة السادسة، فلما أساءوا الاختيار أذلهم الله تعالى وغضب عليهم، وأصابهم الخوف والحزن لما خلت قلوبهم من
(1) رواه البخاري ج 13 ص 398 رقم 4119
(2) رواه البخاري ج 7 ص 199 رقم 1908