الإيمان، وهو أمر له دلالة عظيمة على أن أشد الناس عداوة للذين آمنوا (اليهود والذين أشركوا) ، وأن هذه العداوة وصلت إلى حد قتل الأنبياء، ومن ثم فإن دماء المسلمين ليست أشق عليهم من دماء الأنبياء التي سفكوها بغير حق.
ولكن سنة الله تعالى أن يفتح أبواب التوبة مهما اقترف الإنسان من ذنب، فأرشدهم إلى التوارة وأمرهم أن يأخذوها لعلها تهديهم إلى تقوى الله، لكن هذا الأمر لم يكن يعنيهم بشيء، فتولوا عنها، وانصرفوا عن نبيهم، فتهددهم الله تعالى بعقابه بأن يوقع الجبل عليهم، فكأن القوة تحمل أمثال هؤلاء على ألا يخرقوا عهد الله وحقوقه، فكانت هذه هي العثرة السابعة، وهو ما يعني أن العقوبات الإسلامية لا تحمل الناس على الإسلام، وإنما تحمل أمثال هذه الجبلة على ألا يخرقوا عهد الله، فتحمي مقاصد الدين الضرورية من أن يعبث بها أمثال هؤلاء.
وتوالت العثرات بعد السابعة، ولما كانت رحمة الله أسبق من غضبه اختبرهم مرة أخرى، فنهاهم عن الصيد يوم السبت، لتتوقف دائرة العمل والسعي وراء الكسب والعيش هنيهة، وهو في شرعنا خصص بصلاة الجمعة، لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) {الجمعة/9} ، فقد أبطل الله البيع في صلاة الجمعة، ومن ثم أبطل علماء الأمة عقود البيع التي تجري أثناء الصلاة [1] ، ومنهم من كره هذا العمل [2] لما في ذلك من تفويت للحكم الربانية المشاهدة والغيبية [3] ، أما في شرعهم فقد أبطل الله صيدهم يوم السبت، فلم ينتهوا وتحايلوا على شرع الله، فامتثلوا الأمر ظاهرا دون أن يخسروا صيدا يوم السبت، فأنزل الله عليهم عذابه، فمسخ منهم قردة خاسئين، لأن أوامر الله تعالى لا يستهزأ بها، وإنما تنفذ ظاهرا ومضمونا، وفي نسخهم قردة استجابة من الله لما طلبوه من أن تكون طبيعتهم كالقردة في اللعب والاستهزاء كل حياتهم بلا راحة أبدا.
(1) الشرح الممتع على زاد المستقنع ج 8 ص 189 للشيخ محمد بن العثيمين- دار بن الجوزي
المحلي لابن حزم ج 5 ص 79
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لأبي بكر الكاساني علاء الدين ج 11 ص 487
(3) المغني لابن قدامة ج 4 ص 101