ثم هم يقعون في عثرة تاسعة، إذ لما ارتكبت جريمة قتل بينهم ولم يعرفوا القاتل، وهو أمر يهدد أمنهم وسلمهم الاجتماعي، فلما أفزعتهم هذه الجريمة - إما لخوفهم من لحوق القصاص بهم أو التزامهم دية القتيل - تحروا عن القاتل فلم يستدلوا عليه، فكان على أهل البلدة التي وجد فيها القاتل ديته، ومن ثم أسرعوا إلى موسى عليه السلام ليكشف لهم عن القاتل حتى لا يغرموا دية القتيل، وهو ما يؤكد يقينهم بنبوته، وأن معه خيري الدنيا والآخرة، فأرشدهم إلى عمل يخلصهم شيئا مما أشربت به قلوبهم من دون الله تعالى، فإذا فعلوه صدق زعمهم في تطهير مجتمعهم من الجريمة، ألا وهو تضحيتهم بأثمن الأموال عندهم، فأُمروا أن يذبحوا بقرة، فظلوا يماطلون موسى في تنفيذ هذا الأمر حتى أرشدهم إلى لونها وسنها وعملها، فكانت بقرة أحق بالعبادة من العجل الذي لا تزال عبادتهم له قريبة، ولكن الأمر من الله أن يذبحوها، ففعلوا ذلك على مضض، لكرههم أن يتكلفوا ذبح ما يعبدون، ولأجل كلفتها عليهم، أو لأجل خوفهم من فضح القاتل منهم - كل ذلك محتمل وجائز في حقهم -، فهم لا يعبدون العجل لأجل قداسته، وإنما لأجل أنه أثمن أموالهم، ولأجل السامري -كما أسلفنا -، الأمر الذي يعني أنهم حينما نفذوا أمر نبي الله موسى لم ينصاعوا لإرادة الله تعالى الشرعية عن طواعية واختيار، وإنما انصاعوا إليها استثقالا، وبقدر أهوائهم، فكان هذا حالهم في شأن أمانة الدين تطبيقا وعملا، وهذه هي العاشرة.
قال الزمخشري: (فإن قلت فما للقصة لم تفص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، ... قلت: كل ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعًا لهم عليها، ولما حدد فيهم من الآيات العظام، وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى: لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة وإلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية: للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة، وإنما قدم قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على عكسه لكانت القصة واحدة، ولذهب الغرض من تثنية التقريع .." [1] ، وقال مفتى الديار المصرية (أسند القرآن الكريم القتل إلى جمعهم في قوله تعالى: وَإِذْ"
(1) تفسير الكشاف ج 1 ص 102 للزمخشري