قَتَلْتُمْ مع أن القاتل بعضهم، للإِشعار بأن الأمة في مجموعها وتكافلها كالشخص الواحد) [1] .
ولم يختلف حالهم في شأن هذه الأمانة قولا ونقلا، كما هو أمرهم منها فعلا وتطبيقا، إذ تراهم أسرع الناس في تحريف كلام الله تعالى ليوافق أهواءهم، فما لم يوافقها منه بدلوه وحرفوه، وما صادف منه ما يهوونه التزموه، ظنا منهم أنهم بذلك يحظون بالدنيا كلها، وإن نقص نصيبهم من الآخرة وإن استحقوا بعضا من العذاب يوم القيامة، الأمر الذي يثير التعجب أن حرفوا ميثاق الله تعالى وهو لا يأمرهم إلا بعبادة الله وحده، وبالإحسان لخلقه، وإقامة شرعه، وإصلاح دنياهم بحفظ دماءهم، إلا أنهم لا يزالون يسفك بعضهم دماء بعض، ويسلب بعضهم أموال بعض، لا لأجل شيء إلا لأجل دنيا يسعون وراءها، فكانت تلك هي العثرة العاشرة، ومن ثم ربطت الآية (86) الأحداث سالفة الذكر بعضها ببعض لتصف فاعليها بالصفة التي حدت بهم إلى فعل كل ما تقدم (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) ، وتؤكد السورة أن يهود الماضي لا يزالون هم يهود الحاضر في دولة النبي صلى الله عليه وسلم وسيزالون كذلك على ذات الشاكلة بالنسبة ليهود المستقبل، حيث تستمر الأجيال المتعاقبة - على الأغلب من حالهم - على ذات نهج أسلافهم من اليهود في قتل الأنبياء ودعاة الخير من الناس.
ثم تنتقل الآيات من (89 - 123) من الحديث عن اليهود أيام موسى عليه السلام للحديث عن اليهود في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أول دولة إسلامية قامت بالمدينة المنورة، قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، ولكنهم كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بغيا وتأسيا بسنن من قبلهم، فكان الأحرى تذكيرهم بملخص لما سبق سرده من حال أسلافهم حال عبادتهم للعجل في عهد موسى عليه السلام، بعد أن تركهم أربعين ليلة، ولم يزد على ذلك، ولم ينجح أسلوب القوة في إقناعهم بضرورة أخذ ميثاق الله، إذ ظلت الدنيا مزينة في قلوبهم مختزلة في صورة هذا العجل، ولذلك تحداهم الله تعالى أن
(1) تفسير الوسيط للشيخ سيد طنطاوي ج 1 ص 121