فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 123

يخلصوا من هذه الدنيا إلا إذا تمنوا الجهاد في سبيل الله، بيد أنهم أبعد الناس عن ذلك، حيث يحرصون على أرخص صور العيش في الدنيا ظنا منهم أن طول العمر في الدنيا يبعدهم من عذاب الله الذي ينتظرهم في الآخرة، فإذا كان هذا هو حالهم من الدنيا والآخرة، فإن حالهم في شأن الغيبيات على ذات الشاكلة، إذ يعلنون عداوتهم للملائكة، واتباعهم للشياطين، وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم، ولكتب السحر منشغلون وعاملون.

وقد جاء النداء الأول في هذه السورة للذين آمنوا، متضمنا نهيا في حقيقته تحذير للجماعة المؤمنة من مكر اليهود، فكشفت ما في صدورهم نحو المؤمنين، وبينت الحكمة من نسخ شريعتهم التي حرفوا كلمها عن موضعه بشريعة الإسلام، ولذلك حذرت المؤمنين أن يقعوا في ذات عثرات بني إسرائيل، فنهتهم أن يجعلوا المنهج تبعا للهوى، وأن يسألوا رخصة في موضع تكليف أو تكليفا في موضع فيه رخصة، فالتشريع هو حق لله وحده، وليس عليهم إلا السمع والطاعة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تشددوا على أنفسكم فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات) [1] ، وبالرغم من أن السورة كشفت للمؤمنين ما في صدورهم من حقد للمؤمنين فقد أمرت أمة الإسلام وجماعة المؤمنين أن ينتهجوا نهج العفو والصفح عن هؤلاء حتى يحين وعد الله، وأن يلتزموا شريعتهم فلا يفرطوا فيها شيئا.

ثم بينت الآيات الاضطراب العقائدي الذي يعيشه أهل الكتاب، فهم يتمنون أن يفلح بالآخرة من كان هودا أو نصارى، حسدا منهم للمسلمين على وجه الخصوص، الأمر الذي يوضح كيف أنهم يؤلبون النصارى على المسلمين لما في صدورهم من حقد دفين لهم، وفي ذات الوقت ينكرون على النصارى عقيدتهم، وينكر النصارى على اليهود عقيدتهم، لكن أعداء الله متفقون على وجوب التخريب على المسلمين عباداتهم ومساجدهم، ونشر عقائدهم الباطلة، لا لشيء إلا لأنهم قوم ماديون، ولا يؤمنون إلا بما هو مادي ومشاهد، ولا يعبدون إلا ما هو مزين لهم من مادة الدنيا، فكان حال يهود المدينة المنورة كحال من سبقهم من أسلافهم من بني إسرائيل، ومن ثم توجه الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتصد في دعوتهم متى صدوا عن

(1) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج 3 ص 258 وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة ج 10 ص 14 رقم 3124 وقال أخرجه البخاري في التاريخ (97/ 2/2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت