الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) {إبراهيم/37} [1] .
فأقام هذه الدولة دينا ودنيا، ولم يكن لجهده فضل في إقامة هذه الدولة المباركة، وإنما مجرد اتباعه لأوامر ربه وتنفيذها على وجه التمام مع توكله على الله تعالى في النتائج، فهو الذي أنتج هذه البلد المبارك، قال تعالى (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) {الحج/27} ، ففي قصته إعجاز سياسي للمسلمين - فحسب - وإرشاد إلهي بأن دولتهم لن تقوم إلا بتتبع خطى نبي الله إبراهيم عليه السلام، فلن تكون لهم الإمامة ولن تقوم الخلافة إلا إذا تجرد المسلمون من الدنيا بأسرها ليكون همهم هما واحدا وهو إرضاء ربهم ومولاهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) [2] .
فتحكي الآيات كيف أنه كان عبد لله قانتا راكعا طائفا عاملا مصليا لربه داعيا لأمته الخير، موفيا ما عليه من أمانة، فقام بإصلاح نفسه واعتنى بإصلاح ذريته وتطهير مكان العبادة - البيت الحرام - ولم ينس أن يسأل ربه أن يمن علىأ بلده ووطنه بالأمن والأمان، وأن يحظى بالرخاء والثمرات، فشملت دعوته الإصلاحية جميع الأطر والدوائر سواء بما يحقق الفلاح في العبادة أو يحقق الخير في الدنيا، فاهتمت دعوته بتعمير الدنيا لأجل الآخرة، كتعمير الأرض لأجل زراعتها، وهذا هو ملخص الإسلام الذي يدين به نبي الله إبراهيم لله تعالى، وامتدت دعوته عبر الزمان لتصل إلى ذريته من بعده، باستثناء الظالمين منهم، فكان من أولاده نبيين إسماعيل واسحاق عليهما السلام، وظل على نهجه من ذرية ابنه اسحق ابنه نبي الله يعقوب - واسمه إسرائيل - فورث منه الدين، وحسن إسلامه وأوصى بنيه بالإسلام، فوعده الأسباط - الذين هم أخوة يوسف الذين جاء من نسلهم بنو إسرائيل - بالتزام عبادة الله وحده، كما
(1) رواه البخاري ج 11 ص 150 رقم 3113
(2) رواه ابن ماجة ج 11 ص 499 رقم 3987 وصححه الألباني: صحيح ابن ماجة ج 2 ص 366 رقم 3231