النفسية والانضباط السلوكي، وتنضبط مؤسسات الدولة كذلك في إطار من الصدق والمصلحة والشفافية والتنظيم والرقابة المشروعة، ويحميها جيش منضبط بميثاق للشرف يحفظ للأمة كرامتها ويصونها عن أعدائها، وتتولى هي رعايته، ومن ثم يروج مفهوم الأمة المسلمة على نحو عالمي، ليستشعر العالم ثقل هذه الأمة وقوة إرادتها وحسن قيادتها، ولا تنسى هذه الأمة حاجة القيادة إلى تطهير مستمر وتمييز أهل الثقة فيها، فإذا ما اكتملت هذه الأركان شرعت الأمة كدولة في دعوة الناس كافة للإسلام وهي على يقين من أن الاختلاف سنة كونية، وأنه سوف يترتب على هذا المنهج وقوع الإبتلاء حتى بعد التمكين، فعليها أن تنهض بمسئولياتها، وتظل على البر كما هي، ولتجاهد وتقاتل أعداء الله في سبيل الله، وتطهر الدولة من مصادر الإثم والفساد، وتعمل على ترشيد الإنفاق، كما تعمل على تقوية بناء اللبنة الصغيرة لهذه الأمة، ألا وهي الأسرة المسلمة، فتعمل على تأكيد عقد إنشائها ومضمون محتواه وتذب عنه صور الإخلال به، وتجيز إنهائه متى تعذر الوفاء به، وترتب على ذلك آثارا تحفظ للطرفين حقوقهما المنبثقة عنه، وتحفظ للأولاد حقوقهم بلا أدنى انتقاص حتى لو زال عن الوالدين رابط الزواج، وتتأسى لمن حافظت على حق الأسرة وإن زالت الزوجية دون إخلال بأحكامها، وتؤكد تقدم الدين في المرتبة على الأسرة، وتحض على إكرام المطلقات والأرامل لأجل هذا الميثاق.
فإذا ما ثبَّتت الدولة أركانها شرعت بعد ذلك في توسيع ملكها على غرار ملك نبي الله داود وسليمان، وهنا تتعلم الأمة أن أول درس تربوي في ذلك هو أن التدافع بين الحق والباطل سنة كونية وضرورة شرعية، وأنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لابد من الابتلاء والتمييز والتمحيص، ثم يأتي بعد ذلك الانتصار، ويظل الجهاد مستمرا بإذن الله، ويتحقق أثر هذا الانتصار في رقي المجتمعات ثقافيا وفكريا، فتكون قادرة على قبول الآخر في إطار المواطنة، ونشر ثقافة الحوار مع الآخر، وهنا يتسنى لها تعمير دنياها حيث يفيض المال ويكثر ولا تجد الزكاة مصارفها لغنى الناس، دون رياء محبط أو ربا مطغي، وإنما عمل وتجارة ودين وتداين وتداول وتوثيق واستثمار، فإذا ما استقام لها ذلك، فقد حققت المضمون الحقيقي للإيمان بالله تعالى بما يعني تسخير الدنيا بطاعة الله ولعبادة الله.