الدين لا يتم توريثه إلا بالأسرة المسلمة فتحدثت عن اليتامى الذين يعيشون في الأسرة الأكبر وهو المجتمع المسلم، وتحدثت عن النكاح وأحكامه، الأيمان، والإيلاء، والطلاق، والرضاع وحقوق الأطفال، والأرامل، والخطبة، والطلاق قبل المساس، وأفردت الآيات من (238 - 239) حديثا مستقلا عن الصلاة، باعتبارها ظرفا موقوتا يستقطع من أي عمل وله الأولوية بالانشغال مهما استغرق الوقت للانشغال بالحياة والأسرة والزوجة والأولاد، ثم استأنفت الحديث عن الأسرة والأرامل والمتعة، والتعقل من هذه الأحكام جميعا.
والسورة وإن عالجت موضوع القتال معالجة تشريعية، فإنها لم تترك معالجته من الناحية التربوية والعقائدية، ومن ثم أفردت الآيات من (243 - 253) للحديث عن القتال بأسلوب القصص للاعتبار والعظة، وكيف أن الهروب من الموت لا يعني الفكاك منه، وإنما اللقاء معه محتم بحسب قضاء الله وقدره، وذكرت قصة المعركة المشهورة بين جيش طالوت وجيش جالوت، وكيف أن التمحيص للجيش المؤمن سنة الله ليتحقق النصر.
ويجدر التنويه إلى أن المعالجة التربوية والعقائدة لموضوع القتال في سبيل الله جاءت بعد أن استفاضت الآيات في شرح أحكام الأسرة المسلمة، ومن قبل شرح للأحكام المرتبطة بحفظ الدين من العدم بفرض القتال، وقبلها الأحكام المرتبطة بحفظ النفس والمال والروح المعنوية كالقصاص والوصايا والصيام، وفي نهاية هذه المعالجة التربوية حضت الآيات على الإنفاق على الجهاد في سبيل الله، الأمر الذي يدل بطريق الإشارة إلى أن مرحلة التدافع بين الحق والباطل - ومن ثم هزيمة الباطل - تأتي بعد أن يتحقق الشكل الأسري الذي يربط أبناء المجتمع المسلم بعضهم ببعض، وفي الصورة التي ترضي الله عز وجل، وبعد أن تقام شعائر هذا الدين من صلاة وصيام وحج، فإذا حصل ذلك تلتها مرحلة التمييز والتمحيص للصف المسلم، وهذه مرحلة مهمة لبناء الدولة المسلمة المترامية الأطراف، لا مجرد دولة محدودة الأقطار، ففي السورة حكاية بني إسرائيل مع نبيهم، وحكايتهم مع طالوت، بما يشعر بصعوبة التمييز بين القتال لأجل الله تعالى، والقتال لأجل دنيا مسلوبة أو حرية مغتصبة أو شعب مقهور أو مستقبل مجهول لأولادنا، (قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) (246) ، فكان الذي أخلص نيته لله تعالى هو الذي تخطى مرحلة التمييز والتمحيص - مرورا بفرض القتال وتولية