أقلهم مالا ملِكا عليهم والصبر على الماء كأقل رمز للتمول من الدنيا، والرهبة من كثرة جند طالوت خوفا على النفس من الهلكة - فلما حصل منهم ذلك، وثبت في الإبتلاءات المتلاحقة عدد قليل، أتم الله النصر لهم، وقتل داود جالوت وأتاه الله الملك، ليظل التدافع بين الحق والباطل سنة كونية مانعة لأن تفسد السماوات والأرض، (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) {البقرة/251} .
كما اقتطعت السورة أشواطا مختلفة لتتحدث عن عقل الإنسان كأحد مقومات الاستخلاف في الأرض، فتناولت هذا الموضوع من ناحية اختصاص آدم عليه السلام بعلم الأسماء كلها، ومن ثم تميزه عن الملائكة، وأمر الله تعالى الملائكة أن تسجد له تكريما له وتعظيما لقدرة الله في خلقه، وتناولته بطريق التعريض في الآية (219) عندما تحدثت عن الخمر، وأن مضارها أكثر من نفعها، وتناولته في الآية (164) من خلال دعوتها للتفكر في خلق الله تعالى، ثم تناولته -كذلك- من خلال النظر والتحاور مع الآخرين في قصة محاجاة النمرود لنبي الله إبراهيم في ربه، ورد إبراهيم عليه السلام عليه، وقبوله للحوار معه، ومجاراته، ومحاورته له، لنتعلم كيف أن المسلم يتميز بعقل حالم، وأن ذلك من أهم وسائل الدعاة، ونشر ثقافة الحوار، بل وتعدى ذلك بأن يحاور الله تعالى نبيه العزير، ويعلمه ربه بطريق المشاهدة كيف أنه سبحانه يحيي ويميت، وكذلك تكرر الأمر مع نبي الله إبراهيم عليه السلام، فيعلمه بطريق التجربة، لما أراد أن يطمئن قلبه فحاوره الله، وأجرى له من الآيات بقدر ما صدق فيه من الإيمان.
وكان من المناسب -كذلك - في هذه السورة سرد قصة نبيَيْن من أنبياء الله تعالى، هما آدم وإبراهيم عليهما السلام، ولم تذكر قصة نبي الله موسى عليه السلام إلا ارتباطا بموقف بني إسرائيل من دعوته، وإنما عنيت بالذكر بقصة نبي الله آدم من حيث المقصد من خلقه، واستخلافه في الأرض، وتميزه بالعلم عن الملائكة، وشهواته التي أودت به إلى الطرد من الجنة، ومسارعته للتوبة، وقبولها منه، وتحذيره من الشيطان الرجيم، واتخاذه عدوا، وتعليمه تلقي الهداية عن الله تعالى، ليتعلم القارئ الفارق بين حياته في جنة يسكنها هو وزوجه ويأكلا منها رغدا حيث شاءا دون تعب ولا نصب، وبين حياته في الدنيا حيث يسعى وراء الماشية ليربيها وتحرث أرضه ومن ثم يبدأ التعب والنصب، ويجاهد شهوته، ويشرع في بناء دولته الجديدة، وقد تعلم