من هو عدوه؟ وكيف يتعامل معه؟ وما يجب فعله؟ وما ينتهي عنه؟ واستكمالا لما بدأه آدم عليه السلام ذكرت السورة قصة نبي الله تعالى إبراهيم من حيث أنه عاهد الله وأوفى بوعده، وأنه فضل حياة الصحراء حيث لا زرع ولا ماء على أن يفتن في دينه، فأبدله الله تعالى بلدا خيرا من بلدا، ورزقا أوسع من رزقه، وأهلا خيرا من أهله، وحفظ له الدين، وأقام قواعده، ونشره في ذريته، واستمر على نهجه أبناءُه وظلوا يوصون أبناءَهم ألا يموتوا إلا وهم مسلمون، فأقام دولته على منهج الإسلام، ولا يزال الناس يحجون إليها كل عام حتى يوم القيامة.
نخلص من ذلك إلى أن تسمية السورة باسم (البقرة) فيه تكنية عن الدنيا وأنها ابتلاء الله تعالى للإنسان، والأصل أن يتمول الإنسان من الدنيا حلالا طيبا، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) (البقرة/168) ، لا أن يجعلها محلا لأن تُعبد، ولا يعزف عنها فتكون غرضا مهمل، وإنما القصد أن تكون محلا للكسب والعيش الهانئ، فإذا أحس العبد بهذه النعمة دعاه ذلك لأن يشكر الله ويعبده ويحسن عبادته، فتكون عبادة الله تعالى من خلال الاستخلاف في الأرض، والتفكر في نعمه والمحافظة عليها والعمل على زيادتها ثم أداء الحق الذي عليه فيها من زكاة وصدقات، وبالجملة حفظ مقاصد هذا الدين الخمسة، بحفظ عقيدته وشريعته، وحفظ النفس والدماء، وحفظ العقل وحرية الفكر والاعتقاد، وحفظ الأسرة والنسل والذرية، وحفظ المال والتمول والتجارات [1] .
ولذلك أكثرت السورة من ذكر الإنفاق في سبيل الله، فذكرته في ثلاث مواضع الآية (215) ، الآية (254) ، الآيات (261 - 274) ، فذكرته في المرة الأولى في موطن الابتلاء، وفي المرة الثانية في موطن الجهاد وما يتطلبه من نفقات، والثالثة في موضع الإنفاق عموما واستطردت في شرح فضله وأحكامه ومبطلاته ومصادره وما يخلفه وكيفية أداؤه وما يستتبعه ومستحقيه وديمومته وجزاؤه، وكان من المناسب كذلك أن تنتقل الآيات من (275 - 281) لتتحدث عن ما يهلك المال في غير مقاصده، فأفردت شوطا عن الربا لترهب منه، وتفرق بينه وبين ما أحله الله بالبيع والصدقات، فأعلنت الحرب على المرابين، وضرورة توفيق أوضاعهم، فلا ينبغي للعبد أن يعظم النعمة ليصل إلى عبادتها، ويتقاتل من أجلها أويتخذها وسيلة للتمول الخبيث، ويعمل
(1) في هذا المعنى: انظر الشوكاني: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ج 2 ص 129