ويتحدد مفهوم الخلافة في الأرض كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) [1] ، حيث تختزل الدنيا في جنة بها شجرة محرمة، فكل الجنة حلال عدا هذه الشجرة المحرمة، كما قد تختزل - أحيانا - في بقرة، وكذلك في النساء، فلا نتقي الدنيا بمعنى أن نحرم من خيراتها، ولا أن نقبل عليها كمن يأكل ولا يشبع، يقول صلى الله عليه وسلم (إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض قيل وما بركات الأرض؟ قال زهرة الدنيا، فقال له رجل هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه ينزل عليه ثم جعل يمسح عن جبينه فقال أين السائل قال أنا قال أبو سعيد لقد حمدناه حين طلع ذلك قال لا يأتي الخير إلا بالخير إن هذا المال خضرة حلوة وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضرة أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت ثم عادت فأكلت وإن هذا المال حلوة من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع) [2] ، قال الأصمعي (الحبط هو أن تأكل الدابة، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطنها وتمرض) [3] ، وقال ابن حجر (إن المال ليس خيرا حقيقيا وان سمي خيرا لان الخير الحقيقي هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق كما أن الشر الحقيقي فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق والاخراج في الباطل) [4]
كما تبين القصة إصرار إبليس الرجيم على غواية آدم، ولو بزحزحة قدمه عن الجنة ليهبط إلى الأرض، وهو ظاهر في قوله تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا) ، قال البخاري قوله {فَأَزَلَّهُمَا} ، (فَاسْتَزَلَّهُمَا) [5] ، فتقع عاقبة المعصية سريعة لاستجابة آدم لإغواء الشيطان (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) ، ومن هنا تنشأ العداوة، وينشأ الصراع بينهما على الأرض (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من
(1) رواه مسلم ج 13 ص 286 رقم 4925
(2) رواه البخاري ج 20 ص 53 رقم 5947
(3) شرح السنة للإمام البغوي ج 14 ص 254
(4) فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر ج 11 ص 246
(5) صحيح البخاري ج 11 ص 106