خلق الله المؤمن ليكون في المرتبة الأعلى وفي المكانة الأعلى ولا يكون في المرتبة التالية، أو المكانة الدونية، لا يكون تابعا وإنما يكون متبوعا، يكون قائدا ولا يكون مقودا، لماذا؟!! انه ينتمي إلي امة عريضة، امة الأفضلية {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ... } (الإسراء 70) ، وأمة الخيرية {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... } (آل عمران: 110) ، وأمة الفوقية {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (النساء: 141) نعم لن يجعل الله الغلبة والقهر للكافرين على المؤمنين .. إنه وعد من الله قاطع وحكم من الله جامع، متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين، وتمثلت في واقع حياتهم، تجردا لله ومنهجا للحياة ونظاما للحكم وزادا للآخرة في القوة والضعف، في الفقر والغني، في العسر واليسر ارتقت الأمة إلي مكانتها المستحقة"وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران:139) أنتم الأعلون فلا تحزنوا، وانتم الأعلون فلا تهنوا، انتم الأعلون إذا حققتم شرط الإيمان ... !! والمسلم يتقلب بين الخوف والرجاء، والترهيب والترغيب، والوعد والوعيد، لذلك عليه أن يجعل دنياه مزرعة لآخرته، فيعمل لمعاده كما يعمل لمعاشه، ويعمل لغده كما يعمل ليومه، ويعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، هكذا يوجه الله عباده في القران .. الذي نزل من عل .. ! من فوق سبع سماوات .. !!.
والمؤمن في الجنة يرجو كذلك الفردوس الأعلى. (اعلي الدرجات) .. ثبت عن أنس بن مالك أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، وكان في النظَّارة أصابه سهم طائش فقتله، فجاءت أمه فقالت يا رسول الله: إن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرينَّ الله ما أصنع - تعني من النياحة - وكانت لم تحرَّم بعد!! فقال لها الرسول الكريم: ويحك أَهَبِلْتِ؟ إنها جنان ثمان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى"..."
وفي قصة موسي عليه السلام"قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى" (طه: 68) لا تخف إنك أنت الأعلى فمعك الحق ومعهم الباطل، معك العقيدة ومعهم الحرفة، معك الإيمان بصدق ما أنت عليه، ومعهم الأجر على المباراة ومغانم الحياة، أنت متصل بالقوة الكبرى وهم يخدمون مخلوقا بشريا فانيا مهما يكن طاغية جبارا لا تخف.
طريق القمة ليس مفروشا بالورود، لكنه يصل بالسالكين إلى أجمل الورود وأزكي الرياحين وانضج البساتين، علي جنباته أنوار، وفي طياته إيمان وأسرار، طريق إلي السمو والعلو، علي مرتاديه أن يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم، ويحفظوا ربهم فيحفظهم، ويدعوه فيستجب لهم، ويسألوه فيعطهم، أن يصبروا ويصابروا ويرابطوا فيصلوا إلي بغيتهم ... انه طريق الواثقين