وسوسةً أو خيالًا- فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله (قال:(إن الله تجاوز لأمتي عما حدَّثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل) [1] .
(التأديب الثالث) قوله {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) } قال ابن كثيرٍ -رحمه الله-: وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ، فقام بذهنه منه شيء، وتكلم به، فلا يكثر منه ويشيعه ويذيعه. فقَوْله تَعَالَى: {يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} يَعْنِي يُرِيدُ ذَلِكَ وَيَفْعَلُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِعْلُ الْقَلْبِ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَظْهَرَهُ، فَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ [2] .
وأما قوله تعالى: {إِنَّ الذين يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} قال العلامة ابن الجوزي: فإن قيل: لم أقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال؟ فالجواب: أنّ من رمى مؤمنة فلا بدّ أن يرمي معها مؤمنًا، فاستغني عن ذكر المؤمنين. ومثله قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} أراد: والبرد [3] .
قال الشيخ الصابوني: ذكر الله تعالى في أول السورة المحصنات بقوله {والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ولم يقيّد المحصنات هناك بوصفٍ وأما هنا فقد قيّده بأوصاف عديدة بقوله تعالى {إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات} والسرُّ في هذا أن هذه الآيات خاصة بأمهات المؤمنين، رضوان الله عليهن أجمعين، وتدخل السيدة عائشة فيهن دخولًا أوليًا، فاتهام هؤلاء الأزواج الطاهرات إتهام لـ (بيت النبوّة) ، وإيذاء لرسول الله [4] .
قال ابن عباس (ا -حين قرأ سورة النور ففسَّرها- فلما أتى على هذه الآية {إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات} قال: هذه في(عائشة) وأزواج النبي (، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات، من غير أزواج النبي (التوبة، ثم
(1) أخرجه البخاري (4968) .
(2) (تفسير القرآن العظيم) (6/ 26) .
(3) (زاد المسير) (4/ 439) .
(4) (روائع البيان في تفسير آيات الأحكام) (1/ 343) .