لا تنتج إلا الحقد، ولا تخلف إلا الشقاق، أما الحلم والعفو، فلا ثمرة له إلا المحبة ورأب الصدع، وتوحيد المسلمين، وهذا ما كانت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تتطلع إليه وتريد أن تحققه. فحينما زارها معاوية (لما حج قالت له: آمنت أن أخبئ لك رجلًا يقتلك بأخي محمد؟ قال: ما كنت لتفعلي!. ثم إنها وعظته وحضَّته على الاتباع. أما حجر فإنها بعثت إلى معاوية في شأنه لعلها تحول دون قتله، فلم تفلح في ذلك، وحينما زارها قالت معاتبة له:(يا معاوية أين كان حلمك عن حجر؟ فقال: لم يحضرني رشيد) [1] .
(ب) كذلك أخذت عائشة على معاوية (جعْله الخلافة ملِكًا غضوضًا، وإكراه الناس على البيعة لابنه يزيد بن معاوية، فهي ترى أن يلي الخلافة من هو أهلًا لها من المسلمين كما في عهد الخلفاء الراشدين. وقد كتب معاوية لعماله لأخذ البيعة ليزيد، وأن يستوثقوا له، فأنكر ذلك جلة من الصحابة والتابعين (، فما كان من معاوية إلا أن توعدهم بالقتل إن لم يبايعوا، فأنكرت عليه عائشة -رضي الله عنها- ذلك، وحينما زارها قالت له: بلغني أنك تتهدهم بالقتل، فارفق بهم، فإنهم يصيرون على ما تحب إن شاء الله، قال: أفعل [2] .
(د) مناصحة عائشة لمعاوية - (-:
عدلتْ أم المؤمنين عائشة عن العنف في المعارضة وإثارة الناس على الخليفة، حيث إنها لم تأتِ بخير عدلت إلى توجيه النصح والإرشاد كلما رأت منه عدولًا عن الصواب.
(أ) حينما بلغها ما وقع بين حجر بن عدي وزياد وأن معاوية قد أرسل في طلبهم، ما كان من عائشة رضي الله عنها إلا أن بعث رسولًا إلى معاوية في حجر وأصحابه، لعله يغير من رأيه شيئًا، ولكن سبق تنفيذ القتل وصول رسولها، ولما حج معاوية (وزارها في بيتها أنكرت عليه ذلك، وقالت:(يا معاوية أين كان حلمك عن حجر، فقال: يا أم المؤمنين لم يحضرني رشيد -وفي رواية أخرى- قالت: يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ قال: لست أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم) [3] .
(1) تاريخ الطبري (3/ 220) .
(2) الكامل في التاريخ (2/ 142) , وانظر فيها تفاصيل القصة.
(3) تاريخ الطبري (3/ 232) .