أعلم أن السنة على ضربين: متواترة ومنقولة بالآحاد.
أما المنقولة بالآحاد - فالكلام في نسخ الكتاب والسنة المتواترة، بها - نذكره بعد هذا.
وأما السنة المتواترة - [فقد] اختلفوا في نسخ الكتاب بها:
فذهب بعض أصحابنا والشافعي إلى المنع من جوازه.
وذهب بعض أصحابنا وجماعة من المتكلمين إلى جوازه. واختلف هؤلاء في وقوعه: منهم من أنكر وقوعه، ومنهم من قال بوقوعه.
أما الدلالة على جوازه - أن النبي عليه السلام إنما ينسح الكتاب اتباعًا للوحى وامتثالًا للأمر الذي أمره الله به من إزالة حكم الكتاب، فجرى مجرى نسخ الكتاب بالكتاب، وذلك جائز بالإجماع - فكذا هذا.
فإن قيل: لو جاز نسخ الكتاب بالسنة، لكان في ذلك تغريرًا للناس، لأنه يوهم أنه جاء من تلقاء نفسه. ولذلك أمر الله تعالى أن يقول عند تبديل آية بآية: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} إزالة لما يقع لهم من وهم الافتراء حيث قالوا: {إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} . بخلاف نسخ الكتاب بالكتاب، لأن القرآن معجز فلا يتوهم أنه جاء به من عند نفسه - قلنا: النسخ في كلا الصورتين يتلقى من الرسول عليه السلام، إلا أنه في إحدى الصورتين أخبر أنه أوحى اليه بكلام ناسخ، وفي الصورة الأخرى أخبر أنه أوحى إليه أن يتكلم