الديناميكية الجديدة يتزايد دور العامل الخارجي في تحديد مصير الأطراف الوطنية المكونة لهذه الدائرة المندمجة ومن ثم التوابعها أيضا. فالعولمة تفهم ضمن سياق سياسي جديد مازالت ملامحه قيد التشكل, تنحسر فيه السياسات الوطنية إزاء مجموعة القيم والالتزامات التي تخلقت بفعل الدعوة إلى إقامة نظام عالمي جديد الغرض منه بناء نظام شمولي تلتئم فيه مصالح أممية وقطرية مختلفة في مصادرها وآفاقها (1) . وما يؤكد هذه الحقيقة هو تزايد دور ونفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في العالم سياسيا واقتصاديا وثقافيار ومحاولتها إشاعة أفكار الليبرالية الجديدة, عن طريق سيطرتها على المؤسسات المالية الدولية وكذلك على منظمة التجارة الدولية, وأهمية إمبراطوريتها الإعلامية، جعل الأمر يبدو وكأنه محاولة منها لأمركة العالم وليس فقط عومته (2)
كما تجد العولمة دعامتها, في محاولة ترسيخ انموذج يسعى أساسا إلى إلغاء السياسة لفائدة الاقتصاد, وتعدد نماذج الإنتاج لفائدة نظام ليبرالي مفتوح, ومن ثم اعتماد التنافس كآلية في نظام السوق. بما تعنيه الكلمة من شروط معروفة, هذا من جانب ومن جانب أخر، تتضمن العولمة محاولة تعميم نموذج مغاير لمفهوم المواطنة ولمعاني الإحساس به, والحد من حرية الدول في إتباع سياسات وطنية مستقلة في غير ما قضية, بما فيها تلك التي كانت إلى عهد قريب من صميم سياسة الدولة وحدودها (3) . ولهذا يرى البعض أن العولمة عملية مستمرة ومتطورة تستهدف تفكيك المعطيات السياسية والاقتصادية والثقافية الدول العالم, التي تشكلت عبر التطور الحضاري التدريجي للشعوب و ومن ثم إعادة صياغتها على وفق النموذج الغربي الرأسمالي, بما يخدم أهداف الأطراف الموجهة للعولمة, اعتمادا على عدد من العمليات المتداخلة والمترابطة, التي توفر لمن يتفاعل معها أفضل مردود للرفاهية. وقد جاء نهج العولمة على وفق مستويات متعددة الجوانب السياسية والثقافية والاقتصادية
1 -حسين معلوم. التسوية في زمن العولمة. في عبد الباسط عبد المعطي (محررا) . مصدر سابق. ص 124 - 125.
2 -أضحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في عالم يزداد تقلص. ومع تنامي التداخل ووسائل الاتصال والعولمة في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد وتبادل المعلومات والثقافة, ونظرا إلى دور الولايات المتحدة المركزي في معظم هذه المجالات, بات من الصعوبة بمكان التمييز بين الحد الذي ينتهي عنده النفوذ الأمريكي والحد الذي تبدأ معه العولمة سواء أكانت العولمة مجرد شكل من أشكال الأمركة العالمية, أم كانت فعلا ظاهرة مستقلة في ذاتها ستنحسر السيطرة الأمريكية عنها شيئا فشيئا في المستقبل المنظور. وللمزيد أنظر: بول سام, الولايات المتحدة والعولة: معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين. في أسامة أمين الخولي (محررا) . مصدر سابق، ص 209. أيضا: منير الحمش. العولمة .. ليست الخيار الوحيد. الأهلي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق. الطبعة الثانية. 2001. ص 48 - 49.
3 -حسين معلوم، مصدر سابق، ص 125.