قال الدكتور حتي مقارنًا بين حواضر الأندلس في القرنين العاشر والحادي عشر العصر الذي عاش فيه شاعرنا ابن زيدون - وبين لندن وباريس في القرنين السابع عشر والثامن عشر قال:"إن لندن لم يتحقق لها قنديل واحد عمومي حتى بعد ذلك بسبعمئة سنة، وإنا في باريس فبعد ذلك ببضعة قرون كان الذي يتخطى عتبة داره في يوم ماطر لا يأمن من الخوض في لجة من الوحل" [1] .
ويقول ستانلي لين بول واصفًا قرطبة وغيرها من المدن في عصر ابن زيدون:"إذا لاحظنا أن أسلافنا السكسون في هذا العهد كانوا يسكنون الأكواخ ويفترشون القصيل ... .. عرفنا ما كان للعرب من مدنية عجيبة وحضارة منقطعة النظير وتظهر المقابلة جلية غريبة بين حاضرة الأندلس (قرطبة) وغيرها من المدن إذا ذكرنا أن أوربا كلها في هذا العهد كانت غارقة في حمأة من الجهل وخشونة الأخلاق وإنها لم يكن بها شيء من آثار المدنية إلا ما لقي للإمبراطورية الرومانية من أطياف في القسطنطنية وبعض أجزاء إيطاليا."ولن تستطيع إذا رأيتها (قرطبة) الآن أن تدرك ما كان لها من جمال رائع أيام الخليفة العظيم فإن شوارعها الضيقة ودورها المبيضة بالجص لا ترسم إلا صورة ضئيلة لما كان لها من العظمة واستبحار العمران فقد تهدم ''القصر'' واتخذ الأسبان أطلاله سجنًا للمجرمين"واختلف المؤرخون في مساحة المدينة كما قال المؤلف والأرجح [2] أن طولها لا يقل عن عشرة أميال وكانت شواطئ الوادي الكبير متلألئه بالقصور المبنية بالرخام والمرمر وبالمساجد والحدائق التي عني فيها أشد عناية بالأزهار والأشجار النادرة المجلوبة من الممالك الأخرى."
وافتنان العرب في عمران قرطبة وإشبيلية وغيرهما من المدن معروف فناهزت قصور قرطبة وحدها ستين ألف قصر وحماماتها سبعمئة حمام ومساجدها 1600 مسجد [3]
والشاعر ابن زيدون له عدة قصائد في وصف قرطبة يقول في إحداها:
أ قرطبة الغرّاء! هل فيك مطمع؟ ... وهل كبد حَرَّى لبينك تنفع؟
وهل للياليك الحميدة مرجع؟ ... إذ الحسن مرأى فيك واللهو مسمع؟
وإذ كنف الدنيا لديك موطئا [4]
أما إشبيلية بالذات التي انتقل إليها ابن زيدون أخيرًا وعاش فيها زهاء عشرين عامًا فإنها تقع على شاطيء الوادي الكبير في أجمل بقاع الأندلس والنهضة [5] فيها أيضًا واضحة فذكر الحميدي ''إنها مدينة
(1) تاريخ العرب مطول لحطي، 3/ 626
(2) قصة العرب في أسبانيا (تعريب: علي الجارم) ، 123 - 125
(3) صبح الأعشى، 5/ 226، 722
(4) الديوان، ص 133
(5) بينما نجد بجمهورية مصر كلها في الوقت الحاضر حوالي أربعة آلاف قرية (راجع: الكتاب السنوي للإحصاءات العامة للجمهورية 52 - 1968 م)