فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 98

إذا استحقت الولايات المتحدة الأمريكية أن تسمّى Melting Pot أي البوتقة بمعنى أنها بلاد انصهر فيها المهاجرون - على اختلاف أجناسهم - وفي وطن واحد فالأندلس أحق بهذه التمسية فلا نجد - في العالم العربي والإسلامي - بلادًا انصهرت بها الأعراق والأجناس المختلفة كما انصهرت بالأندلس حيث اختلطت بها الدماء فانصهر كلهم في جنسية أندلسية.

فمن يدرس التاريخ الأندلسي يجد أنه سكنها قديمًا أقوام مختلفون من السلت والبسك والجلاقة. واستعمر الفينقيون واليونان بعض مدنها على بحر الروم، ثم نزلها الرومان مستعمرين ونشروا فيها لغتهم اللاتينية كما نشروا المسيحية ثم تكتسحها القبائل الجرمانية (Vandales) وأغار عليها قبائل القندال وأسّسوا بها دولة أقاموها على نهر الوادي الكبير سمّوها باسم دولة"القندال"ومنها اشتقت كلمة"القندالس"التي حوّلها العرب إلى"الأندلس"وأطلقوها على شبه جزيرة إيبريا كلها.

ثم يحتلها القوط الغربيون ويستمر لهم الحكم على نحو ما بيّنا في بداية الكتاب حتى يفتتحها موسى بن نصير بجيش مؤلف من العرب والبربر ويمضي فيها حكم المسلمين ويؤسس بها عبد الرحمن الداخل دولة أموية عظيمة ويستعين خلفه بحرش يشترونه من مختلف الأجناس الفرنسية والألمانية والإيطالية وقد غلب عليه عنصر الصقالبة كما يستعينون باليهود الذين كانوا مضطهدين في الأندلس قبل الفتح الإسلامي [1] ويحكم الأندلس في عهد ملوك الطوائف البربر والعرب والمولدون والصقالبة.

فالأجناس والعناصر التي كانت تقوم عليها الحياة الاجتماعية بالأندلس عديدة ومختلفة فمنها الآسيوي كالعرب، ومنها الإفريقي كالبربر، ومنها الأوروبي والأسباني والإيطالي والألماني والفرنسي ولهذا يصعب على الدارس أن يستخلص صفات وسمات مميزة لهذا المجتمع المؤلف من أجناس مختلفة ولكن بحكم أنهم انصهروا في جنسية واحدة يمكن أن نستخلص بعض الطوابع التي ظهرت في حياتهم في عصور حكم المسلمين المختلفة فهي بإيجاز:

1 -الميل إلى الثورة: وعصر ملوك الطوائف أكبر تعبير وتمثيل لهذا الميل فكل مدينة بل كل قرية ترى أن الوقت قد آن لترد سلطان غيرها عنها وتشق طريقها وحدها في حياتها، فتستقل ومن هنا حصل كثير من الخلافات بل قامت المعارك بين عديد من دويلات ملوك الطوائف. وثورات أهل قرطبة ضد الطغاة من الحكام معروفة في الكتب، من هذه الثورات:

(1) ابن زيدون (للدكتور شوقي ضيف) ، ص 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت