فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 98

وقد تغنى ابن زيدون بهذا الحب ولقائه حتى أصبح من المستحيل ستره ولم يكن ابن زيدون وحده في الميدان بل كان له منافسون نزل معهم معركة حامية استطاع أن يقنع بعضهم بالتخلي عن المنافسة إلا ابن عبدوس وعبد الله بن القلاس فأرسل ابن زيدون لابن القلاس قصيدة ينذره فيها حيث يقول فيها:

أصح لمقالتي واسمع ... وخذ فيما ترى أودع

وأقصر بعدها أو زد ... وطر في إثرِها أوقع

ثم يقول:

أعد نظرًا فإن البقي ... مما لم يزل يصدع

ولا تك منك تلك الدار ... بالمرأى ولا المسمع [1]

وقد تراجع ابن القلاس عن ولادة فأصبح المجال أمام ابن زيدون وابن عبدوس وقد حدث نفار بين ولادة وابن زيدون لأسباب سنوضحها - فخلا الميدان لابن عبدوس فازدادت لوعة ابن زيدون وأصبح لا تمر عليه مناسبة إلا ذكر ولادة وحنينه لها وكأنه أحس بقيمة قربها. فاحتلت ولادة من شعره النصيب الأوفر حتى كادت أن تغطي على ديوانه وقد شدا بحبها وحسنها أنغامًا سمعها الناس إلى اليوم.

فاقترن اسمه باسمها حتى أصبح لا يذكر أحدهما إلا تبادر إلى الذهن اسم الآخر ويكفي أن نقول أن ولادة قد ملكت قلب الشاعر الذي يشدو بالأنعام وعقله الذي يكمل النثر فقد شغلت أحد أكبر عملين أدبيين في نثر ابن زيدون حيث كتب الرسالة الهزلية على لسانها ولأجلها وكتب الرسالة الجدية يتشفع بها ابن جهور وربما كانت ولادة لها النصيب الأوفر في دواعي سجن الشاعر من قريب أو بعيد.

والمسألة التي نناقشها هي كيف تحول الحب بين ابن زيدون وزولادة إلى كره وبغض، هنا اختلفت الأقوال وتعددت الأسباب فالأستاذ حسن جاد يقول في كتابه ابن زيدون أن ولادة لم تكن بالعاشقة الوالهة لابن زيدون ولا لغيره وإنما هي بائعة هوي وتصابى كل صابي وقد استهواها ابن زيدون لجماله وظرفه فبادلته حبًا بحب والتقت معه كما روى صاحب الذخيرة (1/ 377) ولم تكن تبادله إخلاصًا وإلا لقرأنا لها دموعًا وهي شاعرة - كدموع ابن زيدون.

ومع هذا فقد كان حبها له أحيانًا يمس قلبها ويشغل فيه الغيرة في تلك الفترات التي كانت تخلص له فيها فهي تغار عليه من جاريتها السوداء حين أحست ميله إليها وعطفه عليها فنقمت عليه بقولها:

(1) الديوان، ص 71 - 72

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت