ورحل الشاعر إلى إشبيلية ونزل في بيت صديقه أبي عامر وقد أحاطه المعتضد بالحفاوة والتكريم ثم استأذن الشاعر للعودة إلى قرطبة ليرتب شؤونه ويدبر أموره ولما وصل قرطبة أرسل له رسالة شكر وعن عزمه الدخول في طاعته التي هي طاعة الله. وتوالت عليه هدايا الأمير فأرسل إليه:
وواصلني جميلك في مغيبي ... وطالعني نداك مع انتزاحي
ولم أنفك إذ عدت العوادي ... إليك رهين شوق وارتياح
وبالتحاقه بالدولة العبادية في إشبيلية يكون الشاعر قد انتقل من حياة الدسائس والثورات في قرطبة إلى حياة الهدوء والاستقرار في إشبيلية.
كان معروفًا إلى حد الشهرة أن لابن زيدون جهودًا واسعة في إقامة الدولة الجهورية وإلى هذا أشار الفتح بن خاقان بقوله عنه إنه ''زعيم الفئة القرطبية ونشأة الدولة الجهورية '' ويقر ابن دجنة أنه ''زعيم الوزارة القرطبية ونشأة دولتها السنية. وقد ذكرنا أن ابن جهور كان يتظاهر في الزهد في قبوله الحكم لأنه واثق بأنه - الحكم- يسعى إليه لما أتاه الشعب ليستلم الحكم ومضى في أول أمره ولما ألحوا عليه قبل على أن يكون له مجلس شورى وكان ابن جهور يحتاج إلى من يذيع فضائله وينشر محاسنه فكان ابن زيدون خير وسيلة لذلك.
ولم ينس ابن جهور فضل ابن زيدون عليه فولّاه أرفع المناصب إذ جعله وزيره وسفيره لدى الدول الأخرى وإلى هذا يشير ابن دجنة"وكان ابن زيدون زعيم الوزارة القرطبية، ونشأة دولتها السنية حتى صار ملهج لسانها وحل من عينها مكان إنسانها [1] ويقول أيضًا"وكان بينه وبين رئيسها الحبيب الحسيب أبي الحزم بن جهور ائتلاف الفرقدين واتصال الإذن بالعين [2] وقد تولّى السفارة بين الدولة الجهورية وبين الدول الأخرى وقد تملك قلوب الملوك وتمنوه إليهم وإلى هذا أشار الصفدى ''فأعجب به القوم وتمنوا ميله إليهم لبراعته وحسن سيرته [3] .
(1) المطرب، لوحة: 127 نقلًا لابن زيدون، ص 86
(2) المصدر نفسه
(3) الوافي بالوفيات، 1/ 271 نقلًا عن ابن زيدون لعلي عبد العظيم، ص 86