ولعل ولي العهد كاتبه فشجّعه للعودة أملًا للحصول على العفو وهرب ابن زيدون من إشبيلية ونزل في حي الزهراء من أحياء قرطبة وأخذ يكاتب أصدقاءه خصوصًا ولي العهد ثم أرسل إلى ولادة يقول:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقًا ... والأفق طلق ومرأ الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنما رقّ لي فاعتلّ إشفاقا
وأخيرًا حصل العفو عن ابن زيدون وقد بذل أصدقاؤه جهودًا عظيمة في سبيل حصول العفو خصوصًا وقد كبح الشاعر من لسانه ومن دفاعه القاسي وقد أظهر تضرعات واستغاثات كثيرة.
ولما توفي أبو الحزم بن جهور وتولى بعده الوليد بن جهور دخل الشاعر في عهد جديد من حياته حيث عاد للشاعر منصبه ومكانته وانتشله من نكبته وصبره من صنائعه ولما ولي الأمر بعد والده نوّه به وأسنى خطبته [1] ويعيد الشاعر توسلاته إلى ولادة ولكنها قد انصرفت عنه إلى غير رجعة ويقرر نيكل أنها"صرفت سمعها عن توسلات الشاعر وخداعاته ولم يمض وقت طويل حتى تقهقرت من الحياة الأدبية الناشطة لتعيش في حريم ابن عبدوس" [2] ولكنها إن كانت قد نسيته فهو لم ينسها وبقي يتغنى بها كأنشودة الحياة حتى انعكس حبها من عقله الباطن على جميع تصرفاته فهو يرثي أبا الحزم بن جهور بشعر يكاد أن يكون غزلًا حيث يقول:
أهابت إليه بالقلوب محبة ... هي السحر للأهواء، بل دونها السّحر
سرت حيث لا تسري من الأنفس المنى ... ودبّت دبيبًا ليس يحسنه الخمر [3]
فأصبحت حياته هيامًا وشوقًا في أي موضوع يطرقه:
وينتاب الشاعر قلق ووسواس وتلمح في هذه المقدمات اليأس المرير والصراع العاطفي العميق.
خليلي! ما لي كلما رمت سلوة ... تعرض شوق دون ذلك حائل
أراح إذا راح النسيم شآميا ... كأن شمولًا ما تدير الشمائل
ضلالًا تمادي الحب في المعشر العدا ... وألح الهوى في حيث تخشى الغوائل [4]
ثم يرمي حبيبته بالغدر والخيانة فيقول:
ماذا يريبك من فتىً عز الهوى ... فعنا لعزته بذِلّة خاضع
(1) الذخيرة، 1/ 291
(2) نقلًا عن ابن زيدون لعلي عبد العظيم، ص 150 - 151
(3) الديوان، 523 - 530
(4) الديوان، ص 391