في غياهب السجن:
لقد أشكلت بعض المواقف في تاريخ ابن زيدون منها تاريخ سجنه ومدته واختلف المحققون اختلافًا كبيرًا وأخيرًا يقرر الدكتور على عبد العظيم أنه سجن مرة واحدة في عهد أبي الحزم فقط وكانت مدة سجنه في الفترة الواقعة بين اليوم السابع في محرم سنة 432 ه واليوم الثامن في شعبان سنة 433 ه وهي تتجاوز الخمسمئة يوم [1] .
وضعوا هذا الوزير الذي كان يمثل أبي جهور في سفاراته مع السرقة واللصوص ويوضح لنا أيضًا كيف أنه لما طلب أن تتحسن حاله ويعامل بما يليق بمقامه [2] وبلغ طلبه إلى أبي الحزم أخذ يتوعد ويسبّ ويشتم مما يدل على أنه لم يكن المقصود في سجنه إلا الانتقام وقد تعرض في أثناء سجنه لصنوف من الآلام الجسمية حيث منع الزوار فزادت آلامه إذ كثيرًا ما يخفف الزوار آلام السجين والمريض.
وأكثر ما كان يؤلمه ما يتصوره من حال أمه التي هو وحيدها ''وغبت عن أمّ أنا واحدها تمتد أنفاسها شوقًا إليّ وتغض أجفانها حزنًا عليّ والله يرى بكاءها ويسمع لي على من ظلمي نداءها [3] .
وأخيرًا اضطر الشاعر أن يهرب ولو أن ولي العهد قد عجز أن يشفع لصديقه ولكنه استطاع أن يساعده على الهرب لذلك دافع ابن زيدون عن هربه فقال:
هربت فإن قالوا الفرارُ إرابة ... فقد فرّ موسى حين همّ به القبط
وإني لراج أن تعود كبدئها ... لي الشيمة الزهراء والخلق السبطُ [4]
وقد كان لولي العهد ابن الوليد بن جهور يد طولى في قراره ووصل الشاعر إلى إشبيلية دولة بني عباد فتلقاه المعتضد بن عباد بكل ترجاب ووقار وأحله المكان الذي يليق بأمثاله.
وقد كان ابن زيدون مبجلًا ومحترمًا أينما حل أو رحل تتمنى الملوك أن تستضيفه ولقد رفع المعتضد الكلفة بينه وبين الشاعر فكان يهدي إليه الخمر والفاكهة والأزهار ويقبل هداياه ولا يكاد يصبر عن لقائه.
وأخيرًا رأى أنه لا مقام له في إشبيلية بعيدًا عن قرطبة التي عاش فيها بآماله قائلًا:"إن الذي اخترته إلى نفسي هو غاية ما يسيء العدو به ويساء المولى منه فالجلاء أخو القتل والغربة أحد السبأين وقد هجرت الأرض التي هي ظئري والدار التي كانت مهدي ... .. [5] ."
(1) ابن زيدون لعلي عبد العظيم، ص 141 - 142
(2) الديوان، 2/ 282 - 283
(3) الرسالة البكرية- الديوان، ص 751
(4) الديوان، ص 292
(5) الديوان، ص 751